مع الانتقال شبه الجماعي للسينما المصرية إلى الدراما التلفزيونية بات من الطبيعي أن تنعكس لغة السينما، بتقنياتها الفنية المختلفة، على دراما المسلسلات التي ظلت تشبه لغة الدراما الاذاعية، وتجلى ذلك على هيئة اهتمام أعلى بالصورة وبالمشهد البصري، والاقتصاد باللغة وتكثيفها، وهذا ما لاحظناه بوضوح في المسلسل المصري «الدم والنار» وهو من تأليف وحيد حامدـ واخراج السينمائي سمير سيف، والمسلسل يقع في 17 حلقة، مبتعدا بذلك عن ظاهرة مط المسلسلات، وحشوها بالثرثرات الفائضة، إلى درجة الملل، على مدى ثلاثين حلقة، أو أكثر، ودون أن يكون هناك مبرر درامي لمثل هذا التطويل.
ولتوضيح الفارق النوعي بين لغة الدراما الاذاعية من جهة والتلفزيونية والسينمائية من جهة ثانية نذكّر بزمن ما قبل التلفزيون حين كان المعلق الرياضي الشهير محمد لطيف يلجأ إلى الوصف التفصيلي لما يراه أمامه في الملعب لمن لا يشاهد شيئاً من خلال المذياع. والطريف أن المعلقين الرياضيين اليوم، وفي زمن التلفزيون، لا زالوا ينقلون المباريات بنفس اللغة الاذاعية القديمة وكأن المشاهد لا يشاهد شيئاً.
ولا بد أن نسجل هنا للمخرج نجدت أنزور بأنه أول من أحدث ثورة حقيقية في الدراما التلفزيونية حين انتقل بها من لغة الإذاعة الى اللغة المشهدية البصرية التلفزيونية. غير أن عموم الانتاج الدرامي التلفزيوني ظل يراوح داخل اللغة الإذاعية ومن هنا بالضبط وجدنا ضرورة التنويه بمسلسل «الدم والنار»، وكنا قبل ذلك قد نوهنا بمسلسلات الأحلام الكبيرة، وليالي الصالحية والتغريبة الفلسطينية، وام كلثوم وبمعظم أعمال اسامة أنور عكاشة لما تمثله من انتقال نوعي باتجاه لغة الصورة في الدراما التلفزيونية.
ينهض مسلسل «الدم والنار» على شكل ملحمي يمزج بين شكل المنشد في التراجيديات الاغريقية القديمة وبين دور الراوي أو الحكواتي في التراث العربي مبتعدا بذلك عن الاطار المألوف للدراما العربية، في «الدم والنار» يشارك الغناء الفلكلوري الشعبي مشاركة قوية واساسية في صياغة المضمون الدرامي للعمل، حيث نجد الموال الشعبي حاضرا لمعالجة العديد من المواقف، والموضوعات التي تمس العديد من القضايا الاجتماعية ،وذلك في صورة ملحمة شعرية قام بكتابتها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، متضمنة كلمات اكثر من 64 موالا. لتعكس من خلال الموسيقى والغناء روح البيئة المحلية. وقد وضع له الألحان والموسيقي التصويرية ياسر عبد الرحمن والغناء لمحمد العزبي.
وشارك في بطولة العمل نخبة من النجوم، في مقدمتهم فاروق الفيشاوي الذي قدم على مدى السنوات الأخيرة أعمالا درامية متميزة: الحاوى، خيال الظل، البر الغربى، والأصدقاء، كناريا وشركاه ثم حلقات ألف ليلة وليلة مع نيرمين الفقى. ومع الفيشاوي معالي زايد التي سبق وقدمت معه مسلسلي الحاوي وحارة الطبلاوي، ومعهما الفنان الصاعد بقوة فتحي عبد الوهاب، وسناء يونس والفنان عبد الرحمن ابو زهرة والفنان المسرحي سامي مغاوري، وثامر عبد المنعم وداليا ابراهيم واحمد عقل.
هذا الفريق من الكتاب والفنيين قاده باقتدار الثنائي الكاتب وحيد حامد والمخرج سمير سيف وذلك بعد نجاحهما المشترك في الدراما التليفزيونية «أوان الورد» بمشاركة يسرا وهشام عبد الحميد الذي عرض منذ ثلاثة أعوام، وأثار بسبب جرأته وحساسية القضايا التي تناولها اهتماماً واسعاً.
ومنذ ذلك الحين توالت أعمال هذا الثنائي الفني في السينما من خلال ثلاثة أفلام دفعة واحدة هي فيلم «معالي الوزير» لأحمد زكي، ويسرا ولبلبة، وفيلم «ديل السمكة» لعمرو واكد وحنان ترك، وفيلم"رحلة مشبوهة» لمحمود عبد العزيز ووفاء عامر. ومن هنا ربما لاحظنا بجلاء هذا التجلي للغة السينمائية في عملهم التلفزيوني.
لا يكتفي مسلسل الدم والنار كما يبدو واضحاً بتقديم مجرد حكاية ريفية عن العمدة الطاغية (فاروق الفيشاوي) الذي يبطش بالناس ويستبيح دمهم، كما فعل بشقيق البطلة (معالي زايد) وزوجته، تهرب البطلة بابن شقيقها (فتحي عبد الوهاب) لتتسول في شوارع القاهرة ليعود بعد سنوات، حسب النبوءة، ليثأر لدم أبيه وللقرية المنكوبة بالظلم.
نقول إن المسلسل لا يكتفي بمجرد مستوى أحادي من السرد الدرامي بل يذهب الى مستويات رمزية أعلى تقوم على فكرة فلسفية مفادها ان اليائسين والمسلوبة ارادتهم لا يحققون نصراً ولا عدلاً، ولا بد من الثورة المنظمة لاستعادة الحقوق الضائعة، وبأن ما يحدد مصير الناس ليس قوة خصومهم او اعدائهم فحسب، وانما ضعفهم هم انفسهم، بالدرجة الأولى.
هذا المسلسل كما نرى لا يهادن ضعف الناس بالتباكي على أوضاعهم وإدانة ظالميهم بل يوجه سياط نقده الى ضعف الناس أولاً باعتباره المسؤول الأساسي عن استمرار الظلم.
وقد عبر وحيد حامد، صاحب العمل عن هذه الفكرة بجلاء حين قال انه قام بكتابة المسلسل وفي ذهنه «فكرة الانكسار والضعف والخوف في مواجهة الديكتاتورية التي تدمر الكليات والتفاصيل الصغيرة في حياتنا وحياة غالبية ابناء الشعوب العربية". واشار الى ان المسلسل يدعو ايضا «جميع المستضعفين للتمرد على واقعهم وعدم القاء مسؤولية عبوديتهم على اوهام تلقي بهم في مزيد من العبودية والصمت وتسهم في زيادة تفككهم وخسارة لحظات حياتهم الجميل».
تدور حكاية المسلسل حول ظالم مستبد، العمدة أو مطلق حاكم تمكن من اهل بلدته، وتمكن من فرض سيطرته عليهم، وتحكم في أقدارهم، بالرعب والموت والحرمان، رغم انه هو نفسه كان في الاصل شريدا ضائعا، ولكنه تسلل بدهاء حتى تمكن من رقاب العباد، مستعيناً بحارسه السفاح القاتل ضرغام (سامي مغاوري)، الذي يقوم بتنفيذ سياسته في قمع وقتل وحرق منازل المعارضين اذا ما ارتفع صوتهم بالاحتجاج. وهنا، وبغياب الفعل الجماعي المنظم لا بد أن تظهر رموز التمرد الفردي ، كما بالنسبة للفلاح (خالد صالح) الذي يطرد من عمله في الارض ومن منزله لانه رفض ان تعمل شقيقته لدى العمدة خوفا عليها.
في المقابل فإن نبوءة الشيخ العراف الضرير (عبد الرحمن أبو زهرة) لا تلبث أن تتحقق.. فبعد خمسة وعشرين عاما يأتي اليه احد ابناء ضحاياه الذي لا يعرف ولا يعلم ان هذا الظالم المستبد هو قاتل أبيه وسارق اسرته، فالكاتب لا يريد أن يحول المسألة الى مجرد سلوك ثأري بل فعل اجتماعي ثوري ضد الظلم بمطلقه.. وهكذا يتمكن الشاب من خلق روح جديدة في نفوس اهل البلدةـ فيثور على الظالم والظلم، لتعود الحقوق الى اصحابهاـ والكرامة الانسانية الى اهلهاـ ويسود العدل بين الناس.وهذا هو جوهر الخطاب الذي يوجهه العمل ويسعى للتحريض عليه.
هذا العمل الذي نأمل بمشاهدته قريباً على شاشتنا الاردنية جدير بالمشاهدة وسط الكثير من المسلسلات البائسة التي لا ندري ما حكمة إدارة التلفزيون الأردني بعرضها!! لقد بتنا نحتاج لرقابة جدية على المستوى الفني لما يقدم وليس مجرد رقابة أمنية أو أخلاقية!
[email protected]