كتاب

في ذكرى الاستقلال

تأتي هذه الذكرى العظيمة في نفوس الأردنيين لـ«الاستقلال» كي تتزامن مع الاحتفال بمئوية الدولة التي تأسست عام 1921 ويعتبر يوم الخامس والعشرين من شهر أيَّار 1946 يوماً خالداً في تاريخ الأردن، بعد أن تحوَّل الكيان الأردني من إمارة إلى المملكة وفي عهد الملك عبدالله الأول ابن الحسين الذي اغتيل في مدينة القدس وبعد خروجه من المسجد الأقصى ويتذكر الأردنيون نجله الملك طلال الذي تولى الحُكم عام 1951 وتم في عهده وضع الدستور الأردني الذي يُعْد من أهم الدساتير وأكثرها تقدماً وحداثة، وجاء من بعده الملك الحسين بن طلال الذي تولى القيادة عام 1953 وواصل المسيرة «47» عاماً من الحكم الرشيد وصولاً إلى الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الذي تولى الحكم عام 1999 ليقود مسيرة التنمية والنهضة بالبلاد حتى اليوم.

تقودنا ذكرى الاستقلال إلى استرجاع جملة التحديات التي واجهها وطننا وشعبنا العربي الأردني العظيم بكل معاني البطولة والفداء، وتحقق لوطننا الانتصار تلو الانتصار ولشعبنا المزيد من القوة والازدهار وكان «الاستقلال» من أول المنجزات التي تحققت على يد قيادتنا الهاشمية الشجاعة مقرونة باستثناء الأردن من أحكام «وعد بلفور» ووافقت عصبة الأُمم على ذلك بتاريخ 23/9/1922. وبعد ذلك واصل الملك عبدالله الأول الدعوة للوحدة العربية وتقدم بمشروع سوريا الكبرى، لكن الصراعات بين القيادات العربية والمصالح الاستعمارية حالت دون قيام الوحدة العربية. لكن الأمير نجح في تحقيق الوحدة بين ما تبقى من فلسطين وشرق الأردن تحت علم المملكة الأردنية الهاشمية وهو إنجاز من أهم الإنجازات التي حصل عليها الأردنيون والفلسطينيون في التاريخ العربي الحديث.

لقد اعقب «الاستقلال» نهوض الدور الأردني وعلى أساس قومي عربي بحيث فتح الأردن أبوابه لكل الأحرار العرب وكل طالبي العمل والتجارة لتبوؤ القيادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستمر الأردن داعية للوحدة والاتفاق العربي بغض النظر عمَّا واجهه من مصاعب وعراقيل.

لقد نشأ وقام الأردن على أساس قومي وحدوي قوامه الجيش العربي وهو مثل لم يتكرر في أي بلد عربي ولم يكن نظامه السياسي قُطرياً على الإطلاق، وكانت حرب 1948 القاعدة التي انطلق منها الدور القومي الأردني واستطاع الأردن بإمكاناته المعروفة أن يحافظ على الضفة ويحتفظ بالقدس «الجوهرة المقدسة» بدماء أبناء الجيش العربي، وأن يدافع عن القدس وحقوق الشعب الفلسطيني حتى هذه اللحظة.

لقد تأكد للأردنيون وبصورة لا تقبل الشك بأن بلدهم قوي وقيادتهم قوية، رغم كل ما يجري في هذه المنطقة وفي العالم، وأن الإنجازات هي الدليل على وضوح الهدف وصحة التوجه ومصداقية الحكم، وكان استثمار الأردن الأساسي في المواطن تعليماً وتدريباً حتى أصبح «الثروة الطبيعية البديل» ومصدر الإنجاز والإبداع.

ورغم ضعف الإمكانات والثروات، فقد منَّ الله على الأردنيين بقيادة عبقرية نزيهة وحكيمة ابتداءً بالملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين ووصولاً إلى الملك عبدالله الثاني ابن الحسين تميَّزت بالاتصال المباشر بالمواطن الأردني والوقوف على رأيه ومطالبه والتزمت بتاريخه الذي يعتز به تستشرف المستقبل وتهيئ الظروف والامكانات لاستقباله وتلبية حاجاته. تعتمد على قواعد العدل والمساواة بين كل المواطنين والأفراد.

واعتمدت الدولة منذ قيامها على الجيش والأجهزة الأمنية التي تميَّزت بالكفاءة والانضباطية والالتزام بدورها الشرعي المرسوم دستورياً وقانونياً في حماية الوطن والدفاع عن حدوده/ ورغم المواقف السلبية من قبل بعض القيادات العربية والفلسطينية/ إلا أن الأردنيين وملوكهم الهاشميون واصلوا الالتزام بالدفاع عن القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس حتى اليوم/ وثبت للقاصي والداني أن الأردن هو الأقرب للفلسطينيين وهو المُدافع الأول عن القدس وحقوقهم المشروعة واقامة دولتهم المستقلة.

لقد خاض الأردن الحرب عام 1948 إلى جانب الفلسطينيين وبعض الدول العربية المجاورة لفلسطين واستطاع الأردن الاحتفاظ بالضفة الغربية والقدس ورأى الفلسطينيون أن مصلحتهم تقتضي الاتحاد مع الأردن وعقدوا عدداً من المؤتمرات في نابلس وأريحا وعمَّان، وأعقب ذلك إجراء انتخابات نيابية في الضفتين عام 1950 وعقد مجلس النواب الممثل للضفتين جلسته في 24/4/1950 ووافق على مشروع الوحدة بين الضفتين. ولم تعترف في حينه أية دولة عربية بل عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً حاولت فيه أغلب الدول العربية طرد الأردن من الجامعة وتحفظ المجلس على قرار الوحدة واصبحت الضفة وديعة لدى الأردن لحين إقرار التسوية النهائية للقضية الفلسطينية بقبول فلسطيني عربي.

ومرة أخرى خاض الأردن المعركة في عام 1967 إلى جانب مصر وسوريا وتحت قيادة مصرية، لكن الحرب انتهت باحتلال إسرائيل الضفة وقطاع غزة وسيناء والجولان، واستقبل الأردن موجة جديدة من النازحين من الضفة وغزة. وشارك الأردن في حرب تشرين 1973. ورغم كل ما حدث بعد ذلك إلا أن الأردن لم ييأس ولم يتراجع رغم التعنت الإسرائيلي، وضعف الموقف الفلسطيني وتمزقه إلى مجموعة من المنظمات والقيادات المتنازعة وتراجع الموقف العربي وغياب الموقف الدولي واستمر بالاصرار على مواصلة عملية السلام وإعادتها إلى مسارها الصحيح فهي السبيل المتاح للوصول إلى الحق الفلسطيني والعربي في ظل الظروف القائمة.

واليوم.. يُجدِّد الأردنيون بجماهيرهم وأحزابهم وفئاتهم «المسيرة» بالعمل الدؤوب والإنجاز الكامل والإصرار على الصمود وبناء الدولة العصرية القائمة على المؤسسات والقانون والوصول إلى الحكومات البرلمانية الديمقراطية والالتزام بمبادئ السلام والعدل تحت ظل القيادة الهاشمية الشجاعة.