يسير البنك المركزي على حبل مشدود في تعديل سعر الفائدة ارتفاعا أو انخفاضا لإبقاء الاقتصاد تحت السيطرة والحيلولة دون الوصول إلى الركود، لكن المخاوف مشروعة من أن يؤدي الرفع الأحدث بمقدار 50 نقطة أساس إلى تراجع معظم القطاعات الاقتصادية في الوقت ذاته.
ببساطة؛ فكرة رفع سعر الفائدة هي جعل المال أكثر تكلفة والاقتراض أقل جاذبية. وهذا بدوره يؤدي إلى إبطاء الطلب لمواكبة العرض، لكن معدلات الفائدة المرتفعة تعني أن الفرد قد لا يكون قادراً على الحصول على قرض لشراء منزل بشروط مواتية، أو يصبح غير قادر على السداد بعد ارتفاع قيمة القرض، كما يعني احتمال أن تسرح الشركات عمالها بدلاً من تمويل كشوف الرواتب أثناء الانكماش.
إذن أسعار الفائدة لها تأثير على كل شيء من أسعار الرهن العقاري إلى قدرة الأعمال التجارية على التوسع من خلال التمويل. فإذا ارتفعت أسعار الفائدة أكثر من اللازم أو تم دفعها أعلى مما يمكن للأفراد والشركات تحمله بسهولة، فقد يتوقف الإنفاق أو يمكن أن يؤدي إلى إبطاء الاقتصاد، وجلب التضخم، في حين أن خفض أسعار الفائدة يمكن أن يشجع الإنفاق. لذا يعد خفض أسعار الفائدة شكلاً قوياً من أشكال التحفيز الاقتصادي.
ومع إقرارنا بوجود آثار إيجابية لقرار الرفع خاصة على السياسة المالية بالمحافظة على القوة الشرائية للمواطن بوجود سعر صرف قوي وكبح جماح التضخم كما شرحنا أعلاه من خلال تقليل القوة الشرائية نتيجة زيادة الأسعار للفجوة بين العرض والطلب، أو تعزيز التدفقات النقدية على شكل ودائع نتيجة للفارق لصالح الدينار الأردني بالعائد المتأتي من أسعار الفائدة.
إلا أن الآثار السلبية المحتملة ستلقي بظلالها على جانب من جوانب الاستثمار من خلال زيادة كلفة الاقتراض والتسهيلات الائتمانية بالنسبة للقروض القائمة والقروض التي سيتم أخدها. وأثر أكبر على خدمة الدين إذ سيكون هناك تأثير سلبي نسبياً من خلال زيادة أعباء الدين، حيث أن ما يقارب 30% من المديونية بأسعار فائدة أعلى من 6% ومعظمها أسعار فائدة «تجارية» تتأثر بالارتفاعات، وإبطاء معدلات النمو الاقتصادية بشكل عام.
لا بد من تفكير هذه المرة خارج الصندوق للإسهام بتحريك عجلة الاقتصاد ودفع معدلات النمو والعمل على إصلاح التشوهات الضريبية سيما ضريبة المبيعات على السلع النهائية وعلى المواد الخام للصناعة والتعبئة والتغليف للتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار عالميا داخل السوق المحلية واعطاء ميزة تنافسية تفضيلية للصناعة المحلية للمستهلك المحلي في مواجهة الارتفاع العالمي في كلفة الاستيراد، والتركيز على الإنفاق الرأسمالي الحقيقي وهو يعني ببساطة أي نفقات توفر عوائد طويلة الأجل، كما تبرز الحاجة الملحة إلى انشاء نوافذ تمويلية بأسعار فائد? تفضيلية تخدم بصورة مباشرة احتياجات المواطنين الأساسية مثل السكن.
قد يكون من المفيد التفكير بتوازن بين السياسة المالية والسياسة الاقتصادية، ومن ضمنها التدرج والمرونة في رفع اسعار الفائدة، مثل رفع اسعار الفائدة على القروض الشخصية وقروض الكماليات، وتثبيت اسعار الفائدة على الاساسيات المتعلقة بالسكن بالنسبة للافراد، وتخفيض اسعار الفائدة او ابقائها على حالها للمشاريع الاستثمارية الجديدة لتحفيز الاقتصاد وخلق فرص عمل حقيقية. بهذه الحالة نوازن بين كبح جماح التضخم والتهيئة لاقتصاد أقوى بعد انتهاء هذه الموجة العالمية من التغيرات الاقتصادية المخيفة.
وختاما أقول يجب أن يكون الاقتصاد قويًا بما يكفي للتعامل مع الزيادة في تكلفة الاقتراض. إذا رفع سعر الفائدة بسرعة كبيرة قبل أن يكون الاقتصاد جاهزًا لذلك -فقد يكون التأثير المحقق لزيادة أسعار الفائدة أكثر من اللازم، وقد يأتي الإجراء بنتائج عكسية. سيصبح الاقتصاد متوترًا وسيسقط في ركود. فكما هو الحال مع جميع تحركات الأصول المالية، فإن التحرك السريع للغاية ليس بالأمر الجيد بشكل عام. فالأسواق مترابطة، لذلك إذا تغير أحد المدخلات بسرعة كبيرة، فإنه يؤدي إلى اضطراب مناطق أخرى.