اقتصادياً، لا تمثل الرسوم الجمركية مجرد ضريبة تفرض على السلع، بل تعد أحد أهم محددات القدرة التنافسية في الأسواق العالمية. فكل انخفاض في الرسوم ينعكس مباشرة على تكلفة المنتج، وبالتالي على قدرته في المنافسة السعرية وزيادة حصته السوقية. ولذلك فإن منح المنتجات الأردنية ميزة الرسوم الصفرية في السوق الأمريكية يمنحها أفضلية واضحة مقارنة بعدد من الدول المنافسة، ويعزز فرص توسع الشركات الأردنية في أكبر سوق استهلاكي في العالم.
لكن أهمية الاتفاقية لا تتوقف عند زيادة الصادرات، بل تمتد إلى الاستثمار الأجنبي المباشر. فالمستثمر العالمي لا يبحث فقط عن انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما يبحث أيضاً عن أفضل موقع يتيح له الوصول إلى الأسواق الدولية بأقل القيود الممكنة. وعندما يصبح الإنتاج في الأردن بوابة للدخول إلى السوق الأمريكية دون رسوم جمركية، فإن المملكة تصبح أكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية الموجهة للتصدير، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية وسعي العديد من الشركات إلى تنويع مواقع إنتاجها بعيداً عن مراكز التصنيع التقليدية.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن توسع الصادرات يحقق آثاراً تتجاوز القطاع الصناعي نفسه. فارتفاع الطلب الخارجي يزيد من الإنتاج، ويرفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، ويعزز الطلب على خدمات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية والتأمين، كما يزيد من تدفقات العملات الأجنبية، وهو ما ينعكس إيجاباً على ميزان المدفوعات واستقرار الاحتياطيات الأجنبية. وفي الوقت نفسه، فإن أي توسع في الإنتاج الصناعي يولد طلباً إضافياً على العمالة، سواء بصورة مباشرة داخل المصانع أو بصورة غير مباشرة في القطاعات المساندة، وهو ما يجعل الاتفاقية فرصة للمساهمة في معالجة أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن والمتمثل في البطالة.
بلا شك فإن حصول الأردن على إعفاء جمركي كامل في أكبر سوق استهلاكي في العالم يشكل فرصة اقتصادية بالغة الاهم، لكن السؤال الحقيقي لا يكون ماذا كسبت من الاتفاقية، بل ماذا تستطيع أن تحقق من خلالها. فالتجارب الدولية تؤكد أن الاتفاقيات التجارية ليست ضماناً لتحقيق النمو الاقتصادي. المكسيك على سبيل المثال، استطاعت بعد اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة أن تستقطب استثمارات صناعية ضخمة، وأن تصبح جزءاً رئيسياً من سلاسل القيمة العالمية في صناعات السيارات والإلكترونيات. وفي المقابل، وقعت دول أخرى اتفاقيات مشابهة لكنها لم تحقق نتائج ملموسة بسبب ضعف بيئة الأعمال، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وغياب السياسات الصناعية القادرة على استثمار الفرص التي وفرتها تلك الاتفاقيات. وهذا يؤكد أن الاتفاقيات التجارية تخلق الفرصة، لكن السياسات الاقتصادية هي التي تحدد حجم الاستفادة منها.
من هذا المنطلق فإن نجاح الأردن في استثمار الاتفاقية الجديدة يتطلب أكثر من مجرد زيادة الصادرات. فهو يحتاج إلى تحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وخفض كلف الإنتاج والطاقة والنقل، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وتطوير مهارات القوى العاملة، وتعزيز الترابط بين الصناعات المحلية وسلاسل التوريد، حتى ترتفع نسبة القيمة المضافة المحلية في الصادرات، ويصبح الأثر الاقتصادي أكثر عمقاً واستدامة.
كما ينبغي ألا ينحصر الاهتمام في قطاع الألبسة وحده، رغم أهميته الحالية. فالقرار الأمريكي شمل أيضاً عدداً من المنتجات الجلدية والنسيجية مثل الحقائب، والمفروشات، والمناشف، والستائر، والخيوط، والأقمشة، ومدخلات الصناعة، وهو ما يتيح فرصة لتوسيع قاعدة الصادرات الأردنية. وإلى جانب ذلك، يمتلك الأردن مزايا نسبية في أكثر من 120منتجاً في قطاعات التعدين، والأسمدة، والصناعات الكيماوية، والأدوية، وغيرها من الصناعات التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة أعلى، إذا ما جرى توظيف الاتفاقية ضمن رؤية صناعية متكاملة، لا تقتصر على زيادة الكميات المصدرة فقط.
ورغم التفاؤل الذي يرافق هذه الاتفاقية، فإن الحكم على نجاحها ينبغي أن يستند إلى نتائجها الفعلية، وليس إلى بنودها فقط. فالنجاح لا يقاس بالإعفاءات الجمركية، ولا حتى بارتفاع قيمة الصادرات، وإنما بقدرة الاقتصاد الأردني على تحويل هذه الفرصة إلى استثمارات جديدة، وإنتاج محلي أكبر، وقيمة مضافة أعلى، وفرص عمل نوعية، وتحسن في معدلات النمو والإنتاجية. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على توقيع الاتفاقيات، وهو إنجاز مهم، إلى بناء سياسات اقتصادية وصناعية قادرة على تعظيم العائد منها.
لا شك بأن الاتفاقية التجارية الجديدة فرصة استراتيجية للاقتصاد الأردني، لكنها ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتعزيز الاستثمار والإنتاج والتشغيل. وسيكون نجاحها مرهوناً بقدرة الأردن على تحويل الميزة الجمركية إلى ميزة إنتاجية، وإلى استثمارات صناعية جديدة، وصادرات ذات قيمة مضافة أعلى، وفرص عمل نوعية للأردنيين. فالرسوم الجمركية الصفرية تفتح أبواب السوق الأمريكية، لكن بناء اقتصاد أكثر تنافسية هو وحده الكفيل بتحويل هذه الفرصة إلى نقطة تحول حقيقية في مسار التنمية الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة تتطلب انتقال الاهتمام من توقيع الاتفاقيات (دون أي تقليل من الجهد الكبير والمهم لتوقيعها) إلى كيفية تعظيم العائد الاقتصادي منها.