كتاب

رمضان.. وثقافة ترشيد النفقات

إنه شهر رمضان الذي ينتظره المسلمون شوقًا للقائه. فمع الأيام أثبتت تجارِبُ الحياة أننا كلّما اجتمعنا على الألفة والمودة، زادت سعادتنا ومحبتنا للحياة.

وها هو شهر: العائلة والأُسرَةِ والمجتمع والأمة، يطرق باب الزمان ليتحول المكان إلى قرآن يتلى، وقلوب تنبض بمحبة الجميع، طاعة للرحمن، وقربى إلى الرضا والرضوان.

وإننا نعلم جميعا، أنّ شهر الصيام مدرسةٌ، لا ينبغي التفريط في الإفادة منها، فهي تُجدد الأنفاسَ، وتزرع فينا حبّ العمل، وتعطينا باقات من الفأل نحتاجها من العام إلى العام.

إلا أننا في شهر رمضان ومنذ عدة عقود مضت، تغيرت بعض مفاهيم الحياة لدينا، فقد أصبح الثانويّ أساسيًّا، وغير المرغوب به محبوبًا، ضمن أنماط من حياتنا تغيرت علينا، فأمسينا بحاجة إلى كبح جماح الانزلاق وراء كلّ مزركش وبرّاق، فأصبحنا نعتمد على الشراء أكثر من اللازم، وعلى الاقتناء والتجديد والتقليد أكثر من اللازم، ناهيك عن الشراء بالأقساط، لدرجة أنّ أحدنا يستدين لأجل العزائم والموائد والسياحة والسفر.

فعلينا أن نُنْعِمَ النظرَ في أمور حياتنا، وما يتعلّق بديننا ودنيانا، لنزيد مما ينبغي أن يزاد، ونقلل ما يجب أن يكون قليلا، وننبذ ما يتحتم أن يكون غير موجود، وهذا رمضان فرصة سانحة لإعادة الحسابات بشتى أصنافها.

فمن العادات التي أصبحت ظاهرة مجتمعية، وبارزة للعيان: النفقات الباهظة في التسوّق والمصروفات الزائدة من غير داعٍ لها.

وإننا أمام مرحلة من الحياة، تشعرنا بضرورة الجدّيّة في كلّ شيء، وخصوصًا أمام أمور سبَّبت لنا أرقًا، وخسارات بأنواعها، بسبب النفقات التي تخرجنا عن حدّ الكرم والواجب، إلى ميدان الإسراف المقيت، والمكروه شرعا وعقلا. وشتّان بين أداء الواجب، وبين السعي للصورة النمطية التقليدية.

ومن هنا.. لا بدّ من التذكير، أننا على أبواب رمضان، ونحتاج فيه إلى المثابرة للعمل، فلا للركون إلى الكسل، وأنْ نذكّر الشباب بأنهم عنوان مستقبل الأمة، وأنّ الحاجة إليهم في طلب الرزق الحلال يزداد في شهر رمضان، وذلك لا يمنع أحدًا من الطاعات كصيام النهار، وصلاة التراويح.

ويتمركز الحديث حول الزيارت المتبادلة، بين الأقارب والأرحام والأصحاب والأحباب، فهنا مكمن الفائدة والخطورة معا. فحينما ننفق أموالا طائلة على الطعام والشراب، لإطعام عدد بسيط من ذوي الحقوق، علينا أن نتذكر حقوقًا أخرى. والمقترح هنا: أن نزيد عدد المستفيدين من الطعام إذا كان المال فائضا عن الحاجة. وأما إذا لم يكن المال فائضا، فأيّ أجرٍ نرتجيه من وراء الإسراف؟. فإننا بحاجة إلى تكافل مجتمعيّ في أعلى مستوياته، ونحن نعاود شهرَنا الفضيل من غير حواجز كورونا.

فمع الظروف الاقتصادية التي يعيشها العالم، أثبتت الشعوب أنها بثقافة ترشيد النفقات يمكنها أن تتقدم في سلّم النجاح، وأنّ الشعوب ذاتها التي تأتي متأخرة كلّما تأخرت.

فهل سيكون رمضان مدرسة نتعلم فيها كيف ننفق الدينار، من غير إسراف ولا تبذير ولا بخل ولا تقتير؟. فتكون موائدنا للأجر والمثوبة وإشباع القانع والمعترّ، وإطعام فقير وسدّ حاجة مُعوِز، فنحن يجمعنا بركة الزمان وبركة المكان وحبّ الأوطان، ومشاعر الإنسان.. كلّ ذلك من وحي القرآن ونسائم رمضان.

agaweed1966@gmail.com