احتفلنا قبل أيام بوداع سنة عمرية بأيامها ولياليها، واستقبلنا سنة جديدة بثوب مغلف بالأحلام التي نطمح بترجمتها وتحقيقها في القادم من الأيام، ولكن الواقع أننا خسرنا سنة عمرية من رصيدنا، توجب علينا مراجعة دقيقة ومحاسبة صادقة للخلاصة الأمينة بمقاصة الإنجازات مقارنة بالمدخلات والتضحيات؛ تبدأ على مستوى الفرد ويمكن جمعها لتكون ميزانية وطن، فبين البداية والنهاية كانت هناك محطات وأحداث، مرت ببطء وسرعة، خصوصا بظلال الجارحة الوبائية، التي مزقت وصهرت وجمدت أحلام البعض منا بين خوف أو إصابة أو رحيل عن عالم مليء بكل المنغصات والمسعدات، بداية جديدة متجددة تتطلب التحليل والتفسير في أفق المحاسبة الذاتية أولاً، وسيلة تجعل هدفنا بالتقدم والكسب والمحافظة على ما أنجزنا، هدفا مشروعا، نستفيد منه الدروس ونأخذ منه العبر، فلا نكرر الأخطاء، ونعظم النجاحات، بقالب الحرص والمودة، بعيدا عن لغة التخوين أو التبرير أو الطعن، لأن الوطن يجمعنا ومظلة تحمينا.
حياتنا كما أراها، تترجم ذاتها برمز حسابي بالأرقام والحروف، فيها البَسْطُ والمَقَامُ بدرجة نسبية؛ يمثل البسط فيها ما أنجزنا من ميزانية الفكر والجهد والمال، وينسب للمقام المخزون والرصيد بمحفظة الآمال، جميعنا يطمح بمساواة جبرية بين الطرفين، ولكن الواقع انتهى بتحقيق جزئي للتقارب بين أركان المعادلة الحسابية، بعيدا عن المثاليات أو محطات الإخفاق، فروزنامة العمر تتطلب تدوينا أمينا لأحداثها، لنستمتع بنشوة الإنجاز بمشاركة فاعلة بجميع مستويات العطاء والعمل؛ المستوى الشخصي، العائلي، المحلي، والوطني، لنكون جزءاً من الكل، بعيدا عن منصات الأنانية والحصرية التي أخفق عرابوها بتدوين منجزاتهم ببُردى الوطن وجداريته والذات، بل أصبحوا مثلا ومرجعا للسلبيات بهدف التحذير من نفس المصير، لأنهم ببساطة مثلوا رقما صفريا ببسط معادلتنا الرياضية، والأيام كفيلة بالبرهان والتأنيب.
انتهت سنة عمرية وظروف الوباء مسيطرة على كل مجالات الحياة بجميع دول العالم؛ لكن البداية باعتماد اللقاح ضد الوباء، كانت الحدث الأبرز بالسجل البشري الحاضر، نشرت بيننا نسمات الطمأنينة، لنجد تيارات الشد العكسي التي تشكك بمأمونية اللقاح وأهدافه في كل مكان ونسبة لا بأس بها تمتنع حتى الساعة من تعديل قناعاتها، فغدونا نحلل أركان نظرية المؤامرة لمعادلة اللعبة السياسية والاقتصادية التي يحاول البعض تسويقها وفرضها سيفا مرعبا نحن ضحاياه، يقابلها حقائق على أرض المعركة الصحية؛ تحورات وولادة أشكال جديدة من الفيروس تمارس الغزوات الصحية بطرق مختلفة لتدمير الركن الاساسي بديمومة الصحة بمنع استنشاق غاز الأوكسجين (غاز الحياة) تحديدا، بل وهناك وفيات يومية وفقدان أحبة بأرقام صادمة وإصابات بأعداد مضطردة وكابوس الإصابة وتكرارها يهددنا، تسبب بجرح نازف بأمانينا ومستقبلنا، فالعناد أوتى بخسارة كان يمكن تجنبها لعبور المضيق برصيد أكبر من المنجزات.
ملف التربية والتعليم بدرجاته، واحد من الملفات الوطنية التي تستحق الوقوف على أطلالها دون تجاوز أو محاباة، بدأ متواضعا بإستمرارية التعلم عن بُعد لأسباب ونتائج كارثية لا يتسع المجال لذكرها الآن وقد أفردت لها مساحات كبيرة بمقالات سابقة، ولكن جرأة القرار التربوي ببداية العام الدراسي للعودة للتعليم الوجاهي ضمن تعليمات صحية دقيقة وواضحة صفقنا له بحرارة، بعث فينا روح الأمل لوقف النزف الحاصل بمستقبل الأبناء، فحصدنا محصولا بجودة مستحقة، النتائج الحقيقية للتجربة البعدية كانت مؤسفة، بالرغم من محاولات عبثية مارسها العرّابون لتجميل مخرجاتها، لأننا ببساطة لا نملك البنية التحتية والتقنية لتعميم هذا الأسلوب التعليمي بظرفنا الحاضر، فرصة لمراجعة نقاط الضعف والإخفاق لتصحيحها، وتعزيز المنجزات إن وُجدت.
الجهود التي بُذلت بالملف الغذائي والمائي بتشاركية المؤسسسات المعنية، بعثت برسالة اطمئنان عنوانها ومحتواها الحرص على سلامة الغذاء والماء بمتناول كل منا لأنهما من أساسيات الحياة التي لا تحتمل العبث بمحتوياتها وتوفرها، وربما أن عبارات التشكيك بالخطوات قد فرضت حضورا ببعض المفاصل، واستنزفت رصيدا كان يمكن توجيهه وتوظيفه بمجالات مستحقة، ويكفينا توافر جميع متطلباتنا بدون حرمان أو تقنين.
المحور الأهم في هذا السرد ويحتل صدارة الاهتمام وسترة الوقاية من الغدر والخوف، هو المحور الأمني؛ الداخلي والخارجي، مررنا بظروف امتحان وتحديات مبرمجة وموجهة وصعبة ومؤلمة، فكانت كلمة الحسم والقول الفيصل لقواتنا المسلحة- الجيش العربي بكافة وحداته بالتعاون مع أجهزة الأمن العام الموحدة، التي سهرت بتضحيات لتوفير الاستقرار والطمأنينة، فمنعت أصحاب نظرية العبث والاختراق من التحرك خارج نطاق جحورهم، وبعثت برسالة صريحة وواضحة بسلوك الأردنيين ووحدتهم عندما يتعلق الأمر بالوطن ومليكه، الذي أصبح عميدا للدبلوماسية العربية والزعماء العرب، أنموذجا ومرجعا للاقتداء، لتصبح عاصمة ملكه، عمان، المحج والمحراب، وهو القريب من الجميع والحريص على الكل، يقود مسيرة الإصلاح السياسي لتناسب ظروفنا المستجدة وتلبي مطالبنا، حيث كانت محور نهاية مفاصل العمل الوطني للعام الماضي، والبداية الموفقة للعام الجديد، امتحان ديمقراطي للتفكير بالمستقبل، أمنية برسم التحقيق تتطلب جولات من الشرح والتفسير، ومزيدا من الانفتاح على شرائح الوطن لشخصيات غير خلافية وللحديث بقية.