لقد دوّن المنتخب الوطني اسمه في سجل التاريخ بتأهله لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم 2026، بعدما سبق ذلك بإنجاز قاري كبير تمثل في بلوغ نهائي كأس آسيا. هذه النتائج لم تكن وليدة المصادفة، وإنما جاءت ثمرة عمل متواصل، وإيمان بقدرات اللاعبين، واستقرار فني، وطموح لم يعرف المستحيل.
ومع إسدال الستار على هذه المرحلة، فإن المطلوب اليوم ليس الانشغال بلغة اللوم أو تحميل المسؤوليات، وإنما قراءة التجربة بعين موضوعية تستخلص الدروس وتبني عليها. فالرياضة الحديثة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالتخطيط، والاستفادة من النجاحات كما من الأخطاء، لضمان استمرارية التطور.
ولعل أعظم ما حققه النشامى لم يكن داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل في قدرتهم على جمع الأردنيين حول هدف واحد. فقد التف الشعب الأردني بكل أطيافه خلف منتخب الوطن، وكان للدعم الرسمي حضورٌ لافت، حيث حرص جلالة الملك على حضور عدد من مباريات المنتخب ومؤازرة اللاعبين من المدرجات، إلى جانب سمو الأمير الحسين ولي العهد، وبمشاركة أصحاب السمو الأمراء والأميرات وكبار مسؤولي الدولة. وقد حمل هذا المشهد رسالة وطنية عميقة، مفادها أن المنتخب الوطني يمثل الأردن بأسره، وأن نجاحه هو نجاح للوطن بكل مكوناته.
هذا الالتفاف، قيادةً وشعبًا، لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل شكّل مصدرًا كبيرًا للثقة والدافع المعنوي للاعبين، ورسخ مكانة الرياضة بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة، وجسرًا يعزز الوحدة الوطنية والانتماء، ويجسد صورة الأردن المشرقة أمام العالم.
أما المرحلة المقبلة، فتتطلب الانتقال من الاحتفاء بالإنجاز إلى استثماره. ويبدأ ذلك من دعم الأندية في مختلف محافظات المملكة، باعتبارها الحاضنة الأولى للمواهب، والرافد الحقيقي للمنتخب الوطني. كما أن تطوير الفئات العمرية، وتأهيل الكوادر الفنية، والارتقاء بالبنية التحتية، وتوفير بيئة احترافية مستدامة، تمثل ركائز أساسية للحفاظ على المكتسبات وتعزيزها.
لقد أثبت النشامى أن الأردن يمتلك الإمكانات البشرية القادرة على صناعة الفارق متى توفرت لها البيئة المناسبة. ولم يعد الهدف مجرد المشاركة في كأس العالم، بل تقديم أداء يليق باسم الأردن، ومنافسة كبار المنتخبات العالمية، وترسيخ حضور الكرة الأردنية بين المنتخبات التي يُحسب لها الحساب على المستويين القاري والدولي.
إن ما تحقق ليس نهاية قصة نجاح، بل بداية مسؤولية أكبر. فالمحافظة على هذا المكسب تتطلب شراكة حقيقية بين الاتحاد والأندية، والمؤسسات الداعمة، والقطاع الخاص، إلى جانب استمرار الالتفاف الجماهيري الذي شكّل أحد أهم عناصر القوة خلال رحلة التأهل.
لقد أثبتت هذه التجربة أن الأردن قادر على صناعة الإنجاز متى توفرت الرؤية والإدارة والإرادة، وأن الرياضة أصبحت نافذة حضارية تعكس صورة الوطن وتبرز طاقات شبابه أمام العالم. واليوم، تقف الكرة الأردنية أمام فرصة تاريخية لترسيخ هذا النجاح وتحويله إلى مشروع وطني مستدام، يضمن استمرار الحضور في كبرى البطولات، ويصنع أجيالًا جديدة تحمل الراية بثقة واقتدار.
فالإنجاز الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى كأس العالم فحسب، بل في المحافظة على هذا المستوى، والبناء عليه، حتى يصبح وجود الأردن بين كبار المنتخبات العالمية أمرًا طبيعيًا، لا استثناءً. تلك هي الرسالة التي قدمها النشامى، وذلك هو التحدي الذي ينتظر الجميع، حتى تبقى راية الأردن خفاقة في ملاعب العالم، ويظل هذا الوطن الكبير بأبنائه وقيادته مصدر فخرٍ واعتزاز في كل محفل.