لا يمكن لك أن تتخيل مدى الانفصام الذي يعيشه سوق العمل لدينا، ففي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن تخصيص 80 مليون دينار لتشغيل 100 ألف شاب وشابة، يخرج عليك قرار بتخفيض رسوم تصاريح العمل للعمالة الوافدة في مناقضة لا يستطيع عاقل أن يفسرها!
سوق العمل لدينا يعاني بالأصل من ازدواجية البطالة بين الشباب الأردني وارتفاع نسبها، وبالمقابل يعاني من وجود ما يقارب مليون عامل وافد يعملون بمختلف المهن، ما يجعل من أي قرار يحفز العمالة الوافدة على البقاء ويخفف عليهم بدل التصاريح وتجديدها، يتناقض مع توجهات الحكومة في تحفيز الشباب على التوجه إلى سوق العمل الحرفي والمهني، والإلتحاق في العمل لدى القطاع الخاص، لتخفيف نسب البطالة المرتفعة والتي تشهد ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
قرار تخفيض تصاريح العمالة الوافدة، يتناقض مع كل شيء، فهو يتناقض مع السياسة المالية وايرادات الخزينة، فان تخصم 100 دينار عن كل تصريح عمل يجدد ويصل عدد هذه التصاريح إلى ما يقارب 400 ألف تصريح، فهذا هدر ودعم حكومي غير مبرر للعمالة الوافدة، كما أنه يبقي الحال على ما هو عليه بالنسبة للبطالة والتوجهات في تعظيم الاستفادة من نقصها لاستبدالها بعمالة أردنية وأيادٍ عاملة محلية من قبل القطاع الخاص، كما أنه يتناقض مع التوجهات التي تمارسها مختلف الدول المجاورة في إحلال العمالة المحلية لديها بديلاً للأجنبية.
ورغم كل هذا لا بد من سؤال، إذا كان قرار تخفيض التصاريح على العمالة الوافدة هدفه تخفيف الكلف التشغيلية على القطاعات الاقتصادية التي لم تطلب أصلا وكما تقول الوزارة، فلماذا يتم تخفيض رسوم العاملات المنزليات، واللاتي يعتبرن من الكماليات التي تمارسها الأسر ميسورة الحال وذات الدخول المرتفعة، وخاصة اذا ما قررنا ان نحتسب خصم 100 دينار على تصاريحهن وعددهن يصل إلى ما يقارب 60 ألف عاملة.
حسنا إذا كنتم تعتقدون أن في مثل هذه القرارات شيئاً ترونه ولا نراه، وتحتسبونه ولا نحسبه، غير أن المنطق يتنافى مع توجهاتكم في إدارة سوق العمل، وخاصة إذا ما قارنا أعداد العمالة الوافدة مع أعداد العاطلين عن العمل لدينا التي تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أنها وصلت إلى 450 ألف عاطل عن العمل، وبالمقابل يوجد ما يقارب مليون عامل وافد مصرح وغير مصرح.
في النهاية، توفير فرص العمل يحتاج إلى تهيئة البيئة المناسبة، وخلق أجواء تشجع الأيدي العاملة المحلية على الإقبال على فرص العمل والتي لا يستطيع توفيرها حاليا سوى القطاع الخاص في ضوء تراجع قدرة القطاع العام على التشغيل، وذلك من خلال التضييق على العمالة الوافدة وتوفير التدريب على المهارات المهنية الحرفية النوعية المختلفة.