كتاب

"خُذْ العَفوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ"

في الأردنّ فسحةٌ من الأمل، ترفرف في قلوب الأردنيين، فتهب عليهم نسائم الفرحة بين الفينة والأخرى، لنقول للعالم: نحن بخير وبفضل من الله ونعمة. فهذه الفسحة وهذا الأمل، يعشقه الأردن على امتداد أيام مضت، يحدثنا عنها التاريخ في مواقف تستحق الشكر والذكر والثناء.

ومما لا تنساه الأجيال: «النخوة والمروءة»، فهما يصنعان في الإنسان أعجوبة من صاحب النخو والمروءة بما لا يصدقه عقل -أحياناً-، وكذلك كل الذي بمعنى الإنسانية من سمات الكرم وشيم السخاء وخلق الوفاء.

وعلى رأس الأخلاق الكريمة والمواقف النبيلة، التي لا تنساها الأجيال: «العفو» الذي يُنبئنا عن معادن الكرام أبناء الكرام. كيف لا والعفوُ عند المقدرة على عدم العفو، يكون هو طاقة الأمل لمن حرم الأمل، وهو النفس الذي يعيد له الحياة، وهو الدليل الذي يخرجه من مضائق الوهم والتفكير بالأسوأ.

كما أنّ العفو عند المقدرة، مما لا يقدر عليه إلا من تمرس هذا الخلق في بيت الأرومة والأصل والمنبت الحسن، وهو مما يستحسن في الملوك والقادة وأهل الحكمة، وهو أولاً وأخيراً مما يحبّه الله تعالى، وقد أمرَ نبيَّه صلى الله عليه وسلّم به، حيث قال تعالى: «خُذْ العَفوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ». لأنّ صاحبَ الأمر ومن بيده مقاليد الحكم بين الناس، يَصلح له أن يمتثل الحِلم والعفو عن الناس، كدليل على مكانته العليّة بينهم، وبرهان أكيد على قوته في مواجهة تحديات الأمة وتقديم مصلحتها العامة على صغير الأمور.

وقبل أيام قلائل صدر توجيه ملكي للحكومة لإصدار عفو ملكي، يحمل في طياته مَعانٍي تربوية وأبوية ذات مروءة عالية، ومع أنها غير مستغربة صنائع المعروف من الهاشميين، إلا أننا ونحن نعيش اللحظة، لا بد أن نستشعر النفْسَ الكريمة التي تدفع عجلة التطور نحو استمرارية على المنهج القويم، ونحو تحقيق الطموحات بعيدا عن بُنيَّات الطريق، وعدم الوقوف على جنباتها، لأن الطريق طويلة، والعقبات كؤودة، ومن غير انتهاج لمسلك البناء لن يكون ثمة ارتقاء ولا رخاء.

والعفو يقترن بالمعروف، وهو درس لنا معاشر الأردنيين، لنكون قريبين من بعضنا بعضا، فكم من قضية نشبت بين أبناء عمومة، وارتفعت رايات القطيعة بينهم، وهم يعرض هذا ويعرض هذا، ولا أحد منهم يبدأ بالسلام.

فقد جاءنا درس ملكي مفهوم معناه، عميق مغزاه، يسطر لنا على ورقة بيضاء كيف نكتب صفحة جديدة فيما بيننا، وأن ينتبه الذين تم العفو عنهم -أياً كانوا- أننا أمام موقف قام به ملك الأردن، فيحق لكل أردني أن يفخر به من ناحية، ومن ناحية أخرى أن تتحدد العديد من مسارات الفكر والتفكير. والانتباه لمهمات الأمور.

فالعفو والعُرف في أعراف الأمم شيء له وزنه في مكيال القانون والمعاملات، وأياً كان، فالعفو يجعل صاحبه أعلى مكانة في قلوب الناس ممن تم العفو عنه، أما إذا كان العفو من الملك لرعيته، فتلك هي التي ترفع الشعبَ فوق الشعوب، وهي أغلى من الذهب والجوهر عند أصحاب المبادئ والقيم.

ويبقى السؤال: أين نحن من مشاهد العفو بيننا وهذا القائد بدأ بنفسه؟. بل أين نحن من أمر الله ليكون العفو بيننا؟.

agaweed1966@gmail.com