كتاب

الأفكار قد تفرقنا.. والوطن حتما يجمعنا

كلما قلبنا صفحاتِ التاريخ، وجَدنا المواقف التي يسطرها العقلاء منارات للطريق، فمن يسلكها نجا وسلك، ومن تنكبها حاد وهلك.

وهذه المنارات يطلقون عليها أسماء متعددة، منها: «رُجمٌ»، وهي: مجموعة من الحجارة، يضعها إنسان يحمل قلباً أوسع من الصحراء، وأخضر من الغابة، يحمل همّ الآخرين، ممن لا يعرفهم ولا يعرفونه، سوى أن الطريق جمعتهم.

وأما اليوم فطرق العالم مرسومة على خرائط ورقية، وتطورت إلى تطبيقات إلكترونية، فلم يعد هناك حاجة إلى منارة أو رُجمٍ يدلنا على الطريق، فيكفينا أن نسلك الطريق بالمستوى الحضاريّ والمشاعر الإنسانية.

فيما مضى كان تصوراً تاريخياً لندلف منه إلى الذي هو خير. بالحديث عن الوطن الذي يشملنا بسياجه، ونسلك طرقاته آمنين مطمئنين، الوطن الذي تجمعنا فيه وحدة الحال وطموحات المآل. إلا أننا نغفل عن خيراته، وسلوك طرقاته، فيأبى البعض إلا الافتراق والطريق تسعنا، ويأبون إلا الاختلاف والمنارات واضحة المعالم، والطريق مجرّبة، فقد سلكها الأولون فوصلنا إلى قمم يحسدنا الناس عليها.

واليوم أصبحت صناعة الأفكار شتى، وواحدة من أسباب تشتيت أفكارنا، ومع أن الوطن واحد إلا أننا نلجأ إلى الابتكارات في تمزيق وحدة الوطن. ويبقى السؤال: إلى متى يتسارع الواحد مع نفسه ويتصارع مع خياله وهو يظنّ أنه يحقق تقدمًا أو يصنع فوزاً؟.

فأنا وأنت شيء واحد في بوتقة الوطن، وإن اختلفنا بجانب أو بآخر، فذلك لا يمنع التعايش في وحدة الحال، فالهموم والكوارث إذا حلّت لا تفرق بين اثنين هما تحت تلك الكارثة. فمن يُنقذ منَ؟ وانظر إلى البطل الشهيد الرائد راشد بن حسين الزيود كيف اعتبر نفسَه فداءً للوطن، ولو أنه تراخى لما كان بطلا. والبطل الأردنيّ الرقيب زاهر العجالين لم يسأل الذين أنقذهم، عن: أعمارهم، أنسابهم، ألوانهم، أفكارهم توجهاتهم. بل، قام بواجبه الإنساني والوطني ملتمساً الأجر والمثوبة عند الله.

إن الاختلاف بأنواعه من لوازم البشرية، وهو آية من آيات الله تعالى، فلو كان العقل صناعة الطبيعة لما كان هناك اختلافٌ بين البشر.

فالاختلاف يسوقنا إلى مواطن المحبة والتواد بيننا، بالتنازلات والتواضع وتقبل الآخرين، فنسلك الطريق معاً، ونذلل الصعاب، ونحمَد اللهَ على ما هدانا إليه من عِلمٍ وحِلمٍ وإنجازاتِ اليدِ باليد، والقلبِ مع القلب. وكل ذلك هو التصور المنطقيّ حينما يجتمع الاختلاف مع العقل ومبادئ الإنسانية.

ومع صناعة الأفكار في عصر التسارع والتصارع، طرأ مبدأ الاستحواذ على الفكرة، ثمّ ضرورة حمايتها بالأسلحة الفتاكة، بدءاً بالغيبة والنميمة، وانتهاء بالطعن بالآخرين. فالمهم أن ترتقي فكرتي، لا أن أرتقي بفكرتي. والمهم أن أكون أنا من يشار إليه البنان، حتى وإن تهدم البنيان.

بل.. أيّ فكرة تؤدي إلى زرع الخلاف بين الناس، هي شوكة تعيق بناء الإنسانية، ولا تخدم حتى الفكرة نفسَها. وأما مَن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، فهو الذي يدعو إلى الخير لا غير.

فلنجعل الوطن الذي نحيا على أرضه، يلملم شعثًا تمزقه أفكار غير رويّة، ولا تستحقّ أن تروى بعرق الجبين، فهي إلى زوال وينمو الذي ينفع الناسَ ليستظلوا بظله. ويذكرونه بخير ما دام في الوطن عاشقون للبناء والعمل، والتشوّف لمستقبل أفضل.

agaweed1966@gmail.com