كتاب

ويعود حزيران

في حياة الأمم تواريخ تتمنى لو أنها تختفي من بحر الذاكرة أو أن تمتد يد الزمن بحركة سحرية سريعة فتمحوها من سفرها كما لو أنها أبحرت على مراكب النسيان إلى عوالم مجهولة لا تصلها الأقمار الصناعية ولا أمواج الذكريات.

إن يوم الخامس من حزيران هو واحد من تلك البقع السوداء على صفحة ذاكرة أمتنا العربية التي يتمنى الكثيرون لو أنها تتحلل إلى بقع بلا لون وتتلاشى معالمها مع الأيام كلما تكررت وتحولت إلى أعوام.

وندرك مؤكدا – وبالألم الممض – أن بعضا من أمتنا قد نسي الذكرى أو تناساها... وربما غيّبها من منظومة التواريخ التي تعيده إلى موقع قريب من جلد أمته أو مركزها العصبي... لأن العودة للتذكير لهذا البعض تعيده إلى ألم أسميناه فلسطين، سيجناه على مدى السنوات فوق رؤوسنا إطارا من الشوك، وعلى ألسنتنا شقوقا محقونة بالعلقم والحصى.

وندرك أيضا – وبنفس الألم الممض – أن قدرنا في هذا الوطن العروبي المسيج بإرث الشهداء والمضمّخ بأناشيدهم وحدائهم التي بقيت على عين الشمس بقعة من فخارهم وظلا لأعلامهم... ندرك أن قدرنا أن لا ننسى.. ليس لأن الأقصى على مرمى حجر من عمان، أو لأن القدس هي وريد النبض في قلب أهلها... ولا لأن ذرى السلط تشتاق للأحبة الصابرين الصامدين على جمر جبل النار.

لا ننسى... لأننا نرتبط من السرّة، ولأن التضحيات هي من صميم اللون على جباهنا والصبر الذي يقوّي عزائمنا.

وتعود إلينا الذكرى اليوم والأرض ما زالت محتلة، والأهل على نار الأتون الجهنمي الذي أشعلته عصابات المستوطنين صابرين صامدين يدعون لنا بالرحمة والهداية... والعون من رب العالمين. تعود الذكرى ونحن ما نزال على حالنا نواجه المؤامرة العاتية المستمرة لتهويد الأرض وإطفاء جذوة النضال.

يعود يوم الخامس من حزيران والأمة العربية تواجه نفس المؤامرات ونفس المخططات ونفس العدو. ولكنه الآن يضرب بسيف أكبر منه وقوة أعتى من قوته... يحتمي بدرعنا ويبتاع رصاص قتلنا بمالنا ويصوب مدافعنا إلى صدورنا... ويضغط على الزند بأصابعنا.

بعد أربعة وخمسين عاما من نكسة حزيران ولاءات الخرطوم الثلاث لا صلح ولا مفاوضات ولا تفريط بحق الشعب الفلسطيني.. بعد كل هذه الأعوام انقسمت كل اللاءات إلى نصفين... والصوت الواحد المصمّم إلى صوتين لا يسمع ترددهما حتى في حجرات الصدر الأقرب إلى الذات، وخفتت النار في اللفظ كأنما أصبحت رمادا.

بعد أربعة وخمسين عاما يقول هذا البعض لمصادرة الأرض نعم... ولسرطان المستوطنات السمع والطاعة لأمر السيد القوي... بل أن نعم هذه أصبحت لدى بعضنا عدوا لاهثا لاغتيال حقوق الشعب الفلسطيني التي أجبنا من خلف سياج الهزيمة وعلى مدى السنين لا وألف لا لإهدارها... وغدا النسيان لدى هذا البعض أبسط مفردات التنكر لتلك الحقوق.. لأن مفردات أخرى أعظم وأشدّ قسوة مثل التعذيب والتنكيل والسجن والذبح دخلت قاموس اللغة العربية التي يتكلمون، والدم العربي الذي تحوّل في عروقهم إلى سائل أسود تفوح مه رائحة النفط والدخان والعفن... بل أن النسيان أصبح ستارا حديديا يفرّق بين هذا البعض وبين هوية الانتماء ومقومات الارتباط بها. وأصبحت الذكرى لهؤلاء هزيمة الآخرين وانكسارهم لأنهم أصبحوا ظاهرة من ظواهر النظام العالمي الجديد، يصنعون النصر بسيوف غيرهم ويعتنقون عقائد الذين صنعوا هذا النصر بتحطيم جماجم أبناء عشيرتهم.

نعرف أن هذا الحزيران كلما عاد أعاد فتح جرحنا. وكلما أطل خلف أفق الزمن فتح في أنفاق النزيف المستمر في صدرنا نفقا قانيا جديدا لا يتوقف ولا تهدأ فورته. ولكننا حين تقدمنا بصدورنا المكشوفة ندفع أذاه قبل أربعة وخمسين عاما كنا نتقدم من منطلق إيماننا بأن أردننا هو خط النار الأول الذي يحمي من خلفه ويضحي لتبقى الأرض العربية أرضا عربية والحمى العربي حمىً عربيا.

كنا ندرك دائما أننا أوفياء لإرثنا، منذورون لإبقاء جذوة النار التي أشعلتها الرصاصة الأولى، التي أطلقها أب الشهداء من شعاب مكة نبراسا وقبسا إلى أن لا يتبقى في أرض العرب سيدا إلا السيد العربي، والى أن تعود الأرض العربية أرضا عربية تضيئها محاجر الشهداء وتسقي أديمها قلوب المجاهدين من أبنائه وجنده.

إيه يا أبا العرب... لقد ظلّ أبناؤك الأوفياء لرسالتهم، الأمناء على عهدهم لك منذ انطلق عبدالله من بطاح الحجاز إلى بلاد الشام محررا وبانيا لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستسلموا. فحين لبّى الحسين نداء الشرف والواجب يوم الخامس من حزيران قبل أربعة وخمسين عاما لم يكن يسعى لمجد رغم أنه أهل له، أو يروم ظفرا رغم أنه به أحق، لبّى النداء لأن المعركة كانت معركة العرب الشرفاء وهو الشريف العربي، ومن أجل فلسطين التي أحللتها من قلبك صدارته. لبّى الحسين النداء يوم الخامس من حزيران عام 1967 بلا منّة ولا مطمع إلا الحفاظ على عروبة وطن الأقصى ومهد المسيح.. لم تقيّده المخاطر ولا أعاق حجم المؤامرة خطاه... لأنه كان الوفي لرسالتك الأمين على عهد جده الباني، ولأن حفيدك الحسين يا أبا الشهداء كان يقود بلدا ينبض باسم فلسطين ويتحرك من أجلها على مساحة الدنيا مثلما حمل سيف النضال إبنه ووريث عهده عبدالله الثاني... لأن القضية عندهما قضيتهما وأهل القضية أهلهما. والمؤمن – كما خبرت وعرفت – لا يخاف إلا الله وحده، ولا تغيّر من عقيدته المحن أو الخطوب ويبقى الوفاء شيمته والعزم دليله.

يعود الخامس من حزيران بعد أربعة وخمسين عاما من فجيعتنا به ليذكرنا بأن هذا البعض من أمتنا التي من أجلها ضحينا وناضلنا وفقدنا ما فقدنا يكاد يحول الصمود إلى محنة أمرّ وأقسى من حزيران... هي محنة التنكّر لأصولنا والتخلي للعدو عن آمالنا! ولكننا يا أبا الثوار أهل الصبر كما تمنيتنا أن نكون...لا تنكّر الأهل يلوي عزيمتنا ولا تخاذل الذين تخاذلوا يردنا عن قسم الأوفياء لثورتك الذي أقسمناه منذ كان الأردن موئل العرب وكانت ثورتك بندقيتهم المتأججة بالنار.

عد يا حزيران ما شئت أن تعود فسيظل الأردن على عهده لا ينثني لأنه كان – منذ أن كان – سيف الثائر الشهيد الرضي طيب الله ثراه لا تغمده أيادي الغدر ولا تغلّه أنفاس الخائرين في صحاري التيه... ولأن إيمانه بالعرب العرب ينبع من إيمانه بقول رسوله الأعظم «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة».

وسلام الثوار عليك يوم تأتي يا حزيران.