كان هناك في القديم معادلة أو وصفة سائدة, تلجأ اليها الحكومات السابقة، في التعامل مع بعض أشخاص المعارضة السياسية، مكنتهم من الوصول إلى منصب في الدولة، فما أن يبدأ المعارض بالإنتقاد, ولا يترك شاردة أو واردة إلا وجه سهام الاتهام بها إلى الحكومة, فيتم استيعابه بتوزيره, أو إعطائه منصبا مهما في الدولة. وحتى نكون أكثر مصداقية لا أقصد بحديثي المعارضة الحزبية والنيابية, التي كانت سائدة لدينا حتى ستينيات القرن المنصرم, عندما كانت تشكل الحكومات الحزبية، فحديثي ينصب على المعارضة السائدة اليوم, وهي على أغلبها معارضة فر?ية, تمارس نشاطها عبر وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي, وأخطرها تلك الفئة التي تمارس نشاطها من الخارج,التي يطلق عليها (المعارضة الخارجية) وتطالب بتغيير النظام. وعلى الرغم أنها استطاعت إستقطاب العديد من المتابعين على وسائل التواصل الإجتماعي, الا أن هناك إجماعاً على إنحرافها عن ثوابت الدولة الأردنية.

أما النوع الثاني من المعارضة, فهي تلك الفئة من الأشخاص الذين يلبسون ثوب المعرفة والتنظير,ينتقدون بشدة,يدعون أنهم يملكون البرامج والأفكار والعصا السحرية, التي سوف تحل مشاكل البلد, وأن إستثناءهم من الحكومات دليل خوف من أن ينكشف تقصيرها في خدمة الوطن. وفي العادة يستغل هؤلاء قضايا حساسة, إقتصادية وسياسية واجتماعية, يكسبون بها شعبية كبيرة عند الناس مثل:الفقر والبطالة والفساد والحريات العامة لكسب تأييدهم. وللأسف هذه الفئة عندما يتم إستمالة أحدهم يدعي أنه ليس معارضا, بل من المثقفين الذين يسعون للإصلاح, ويمتلكون ر?ية وبرامج, وأن معارضتهم بناءة لمصلحة الوطن, فتنخدع الحكومات بهم, وتوزرهم لكسبهم وكسب التأييد الشعبي المناصر لهم, كما فعلت الحكومة الحالية, وسوف تفعل قريبا. ولكن سرعان ما تصاب الحكومة والناس بالخذلان بعد ان يتبين أن كلامهم وتنظيرهم المعسول لا يغني ولا يسمن من جوع. وهناك فئة يطلق عليها فئة معارضة (المناكفة) وهم تلك الفئة التي كانت أصلا في السلطة, وتم استبعادها لأسباب كثيرة, فهؤلاء الأشخاص يمارسون المعارضة من باب الغمز والهمس, وانتقاد الحكومات واتهامها بالتقصير والضعف, وأن عدم اختيارهم في الحكومة خطأ لا يغتفر?

لقد أوجدت وسائل التواصل الإجتماعي نوعا جديدا مما يسمى بمعارضة (المشاغبة) وهم هؤلاء الذين لا لون لهم أو رائحة أو طعم, فتارة تجدهم مع المعارضة, وتارة تجدهم عكس ذلك, يحاولون أن يخدعوا الكثيرين بوطنيتهم والتزامهم بمصلحة البلد, والمضحك أنه رغم ارتفاع سقف طموحاتهم وأحلامهم يقبلون بجوائز الترضية.

إن القاسم المشترك بين هؤلاء جميعا, قدرتهم أو تميزهم في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي والإعلام, لكسب الشعبيات والتأييد والترويج لأفكارهم.أما المضحك المحزن, فهي تلك الشريحة المثقفة المتزنة, التي تمسك العصا من النصف، تنتقد بعقلانية عندما تجد ذلك صحيحا، وتؤيد بعقلانية عندما تجد أن الحكومة صادقة فيما تعمل. وللأسف فإن هؤلاء ينظر اليهم, بل حتى لا ينظر إليهم, من قبل الحكومة, لأنهم (بالجيب) ولا خوف منهم. أم المعيار الشعبي السائد، فإذا قلت نعم للحكومة، فيطلق عليك لقب (سحيج) وإذا قلت لا، فيطلق عليك لقب (صديق).

مستشار وأستاذ القانون الدولي العام