كتاب

دولة بـ «صفر» خصوم لا تتعثر 

أجود أنواع السياسة الخارجية للدول في عالم اليوم، هو النوع الذي تتجلى فيه، دولة بلا خصوم خارجيين. هذا يجسد حتمية أن لا تضع فلوسك في جيب واحد ولا حتى في مصرف واحد، ولا وزعها على خيارات عدة، فإن ضاعت من جيب، ستجد غيرها في جيب آخر, وإذا ما إنهار مصرفك، فلن تفقد كامل رصيدك.

نعم، تلجأ الدول الصغرى إلى حليف قوي يحميها ويمدها بالمساعدات، لكن النباهة باتت تقتضي في هذا الزمان المتقلب المشحون بالمفاجآت، أن تعمد هذه الدول إلى تنويع خياراتها السياسية الخارجية، فهي ومن باب التحوط، تشرك في حكوماتها مثلا, وزراء ذوي إمتدادات وعلاقات وصداقات مع دول عديدة في إقليمها وخارج إقليمها وفقا لمبدأ تقاسم الأدوار، فلا بد وأن تتطلب مصالحها العليا يوما ما، الحاجة إلى التواصل والتعاون في أمر وطني مهم مع هذه الدولة أو تلك.

أميركا أقوى دولة على الكوكب اليوم، تفرض عقوبات ومقاطعات على دول مثل كوريا الشمالية وإيران والمكسيك، لكنها تحاورها وتتقرب منها، والهدف الاستراتيجي هنا هو الاحتواء وتحقيق المصالح الأميركية أولا وأخيرا.

هذا ما تفعله معظم دول العالم التي تحرص على تنويع خياراتها تحقيقا لمصالحها الوطنية, حتى لو كانت ترتبط بعلاقات تحالفية مع دولة عظمى هنا أو هناك.

دول عربية عديدة باتت تدرك جدوى هذا الخيار السياسي الاستراتيجي, وها نحن نسمع عن حوارات بين بعضها وبين إيران التي تشكل هاجسا أمنيا بالنسبة لها, بعضها الآخر يفتح خطوط علاقات قوية مع روسيا ومع الصين.

أردنيا، باتت التطورات الإقليمية والدولية التي يصعب التنبؤ بمآلاتها، تتطلب منا تنويع خياراتنا السياسية الخارجية، ولا شيء يحول دون أن نفعل، ما دام ذلك لا يؤذي أحدا غيرنا، لا بل ويوفر لنا مساحات أوسع وآفاق أرحب للعب دور إقليمي إيجابي يخدم مصالحنا ومصالح أشقائنا وحلفائنا ايضا.

الدولة المثقلة بالتحديات الداخلية والخارجية, تصنع خيرا لها ولغيرها، متى أدركت أهمية التنوع في علاقاتها الخارجية من جهة، ومتى بادرت من فورها إلى تجسيد سياسة «صفر» خصوم لها حول العالم من جهة ثانية.

أخيرا لا يجوز وليس من حق أحد أن يحول بيننا نحن الأردنيين من المبادرة إلى التقارب مع سائر الفاعلين في إقليمنا وخارج إقليمنا, ما دام ذلك يخدم مصالحنا العليا ويحفظ أمننا وإستقرارنا ولا يتسبب في شقاء أحد غيرنا.

دولة ب «صفر» خصوم لا يمكن أن تتعثر.. الله من وراء قصدي.