الشعوب الحية هي التي تستفيد من تجاربها مهما كانت مرة، ومن أخطائها مهما كانت قاسية، فتسعى إلى سد ثغراتها وستر عوراتها، وقد أكدت تجربتنا خلال الأيام الماضية، ومنذ الإعلان عن إحباط محاولة زعزعة استقرار الأردن وأمنه، أن من أهم الثغرات التي ينفذ منها إلينا اعداء بلدنا، منفذ هشاشة الرأي العام الأردني المختطف، بفعل هشاشة معظم وسائل الإعلام الأردني، وغياب المهنية عند الكثيرين من العاملين فيها، وهو ما ظهر واضحاً خلال أيام الأزمة، حيث كانت وسائل إعلامنا تصُم أسماعنا بالكلام الغث، المليء بالكلمات المكررة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا تقدم معلومة تطفئ ظمأ، ولا رأياً يبني قناعة، وكان جل هم أصحابها تسويق أنفسهم وتجديد حضورهم والتذكير بذواتهم.

إن من غريب أمر الإعلام الأردني والقائمين عليه، أنه يكرر نفس الوجوه ونفس الأسماء وكأن أصحابها موسوعات سياسية اقتصادية اجتماعية، علماً أن الأمر غير ذلك، بل أن مقارنة بسيطة بين ما يقوله هؤلاء، وما يقوله غيرهم من الإعلاميين والمحللين المحترفين تظهر البون الشاسع بين هؤلاء وبين غيرهم، من ذلك على سبيل المثال أن الإعلامي المصري المهني، عماد الدين أديب قدم عبر محطة مصر m.b.c، وفي أقل من ربع ساعة شرحاً حول ما جرى في الأردن من محاولة العبث بأمنه واستقراره، يمكن اعتباره مرافعة تاريخية دستورية قانونية اجتماعية سياسية، عجز عنها من يقدمون أنفسهم بأنهم سياسيون أردنيون، ففي بداية حديثه أكد أديب أن الأردن هو صانع تاريخ، بحكم موقعه الجيوسياسي بين الجزيرة وبلاد الشام وبلاد الرافدين وأمام الاحتلال الصهيوني مؤكداً أهمية هذا الموقع من جهة وتأثيره على مجريات الإقليم.

ثم انعطف بعد ذلك ليحتكم إلى الدستور الأردني، ثم ليدعم ذلك بتحليل اجتماعي متماسك لتركيبة الأسرة المالكة والمجتمع الأردني وعلاقتهما معاً، وكيف أن جلالة الملك عبدالله الثاني ينفذ وصية أبيه في رعاية إخوانه، في نفس الوقت الذي يحافظ فيه على الدستور وعلى أمن البلاد والعباد، وتخلل ذلك بيان واف للبناء الفكري والعلمي لجلالة الملك عسكرياً وسياسياً، حيث يحمل جلالته بالإضافة إلى شهادته في العلوم العسكرية درجة الماجستير في العلوم السياسية بالإضافة إلى ثلاث دراسات سياسية عليا.

كما قدم الإعلامي المصري الذي يحترم نفسه ومهنته، تحليلاً لموازين القوى في الأردن، كما قدم تحليلاً لاتجاهات القوى في الإقليم ودورها في ما جرى بالأردن، على ضوء صلابة مواقف جلالة الملك، مستنداً في ذلك كله على حجم من المعلومات يؤكد الإعلامي الحقيقي في البحث والاستقصاء لتقديم المعلومة والرأي المقنعين.

ومثل نموذج عماد الدين أديب كذلك الإعلامي والمحلل السياسي الأردني المغترب بشار جرار، الذي كانت لقاءاته وحواراته على وسائل الإعلام غير الأردنية، التي استضافته هي الأخرى نموذجاً مهنياً، خاصة عندما تحدث عن الجوانب القانونية لأزمة السبت، وعقد مقارنة بين إجراءات الدولة الأردنية مع أعظم وأعرق الديمقراطيات في العالم ملقماً ما يسمى بالمعارضة الخارجية حجراً، كل ذلك بأدب ومهنية وعاطفة وطنية صادقة أعتقد ويعتقد معي كثيرون أنها لم تعد موجودة في الكثير من وسائل إعلامنا وهذه ثغرة خطيرة علينا سدها.

Bilal.tall@yahoo.com