تعيش المنطقة أزمة مركبة على جميع المستويات تعبر عن نفسها بوجوه عدة معظمها يدخل في إطار المفاجآت والتحولات التي لم تكن قابلة للتخيل أو التصور قبل بضعة أشهر، وكانت المصالحة الخليجية أول الفصول، وتبعها التقارب المصري التركي، وايران ستذهب عاجلاً أم آجلاً إلى طاولة مفاوضات يجلس الأمريكيون على طرفها الآخر، وهذه الحالة من السيولة السياسية مغرية لمحاولات تحقيق مكاسب على أساس غموض الرؤية وضبابية الطريق، والأردن ما زال يمثل بتبنيه لسياسة واضحة وثابتة في العديد من الملفات عقدة يجب حلحلتها بطريقة أو بأخرى، ولذلك كانت القراءة الخاطئة تسهم في تحريك المشهد حول الأردن وداخله وهو ما تابعته القيادة الأردنية بكثير من الصبر والتمهل وقررت في النهاية أن تتدخل بصورة حاسمة وصارمة لتقطع الطريق على هذه الأوهام والشهوات بضربة واحدة.

طفقت الشائعات تجوب الأردن عرضاً وطولاً، وأخذت التكهنات تحرك شهية الصحافة العالمية لتحقيق سبق صحفي، وفي هذه الساعات الحاسمة ظهرت الأوزان الحقيقية التي رجحت وبصورة قاطعة وكاملة انحياز الأردنيين لشرعية الحكم ولدستورهم ومؤسساتهم، ورب ضارة نافعة، ففي هذه الساعات التي أنهاها خروج قائد الجيش بتصريحات واضحة تبين مدى التماسك الوطني وقدرة الأردنيين على الوقوف صفاً واحداً، وعمق رؤيتهم السياسية والتزامهم الوطني.

يسعى البعض إلى توهم محاولة انقلابية في الأردن، ويحاولون الزج بالأمير حمزة في أمنياتهم السقيمة، وكل ما في الأمر أن بعضاً من تحركات الأمير كانت توظف لاستهداف أمن الأردن واستقراره، ويمكن لقراءة تفاصيل المشهد أن تبدد البناء للمجهول الذي يقوم بالتوظيف والمحبط حالياً من الاقتراب من اجهاض صفقة القرن والعودة للحديث بصورة جدية عن حل عادل للقضية الفلسطينية، حل لا يكون على حساب الأردن، وفي جميع الأحوال لا يجب استباق التحقيقات التي تجري وستتواصل، والعمل الأمني الذي تواصل خلال الأمس هو تعبير عن خط أحمر لا يسمح لا بتخطيه ولا حتى بالاقتراب منه يتعلق بالمصالح العليا للمملكة وأمنها واستقرارها.

تداعت الدول الحليفة للأردن لتعلن بوضوح وقوفها بجانب الإجراءات المتخذة وتجدد ثقتها في القيادة الأردنية، ووجهت ضربة فادحة للمتربصين بالبلاد وأمنها وشعبها والذين أخذتهم توهماتهم لتخيل موقف عالمي ضاغط على الأردن بناءاً على مجرد أوهام، فكانت السعودية والولايات المتحدة ومصر وتتوالى بعدهم دول أخرى في إعلان دعمها للأردن وثقتها في قيادته وحكمتها ودورها في تحقيق الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة ككل في سياق تعاملها المسؤول على جميع الأصعدة والمحاور ومواقفه المتوازنة التي تمثل بحق تياراً عربياً معتدلاً يسعى لتأسيس مستقبل مزدهر في المنطقة وانهاء الصراعات الدموية التي تدفع ثمنها باهظاً الشعوب والأجيال القادمة.

من يقرأ تاريخ الأردن ويعيه جيداً يعرف بأن هذه الحالات تتكرر بين وقت وآخر، وأنّ أي محاولة لزعزعة الأردن أو فصم العرى التي تربط قيادته بشعبه تتحطم دائماً على صخرة الايمان والولاء والانتماء التي تغذت من تجربة مئة عام من عمر الدولة التي تدخل مئويتها الثانية بكل ثقة وثبات.