كتاب

إعلام العرب.. اهجيني بلا طرب!

«الاهجيني» نَوع من الغناء في الفلكلور الشعبي الأردني يغنيه الحصادون وقوافل المسافرين وحتى في الأعراس لغايات الطرب والترويح عن النفوس. وهو يمتاز بجزالة الألفاظ وعمق المباني والمعاني.

وجه الشبه بين الإعلام العربي في المجمل، إلا ما رحم ربنا، وبين «الاهجيني» أن كلاهما اهجيني مع فارق عميق هو أن الثاني يطرب. أما الأول فلا.

«الاهجيني» المغنى يحرك مشاعر السامعين فرحاً أو حزناً أو نخوة وما شابه من مشاعر. أما «الاهجيني الإعلامي» فبالكاد يحدث شيئاً من ذلك اللهم إلا في حالة الحروب مثلاً عندما تكون المشاعر الشعبية الوطنية أو القومية مستفزة وجاهزة للتحرك.

إعلام عالم اليوم مختلف، فالناس غدت عموماً على درجة عالية من الوعي الذي يؤهلها للتفريق بين الغث والسمين، الحقيقة ونقيضها. وبالتالي فلا إثر يمكن للإعلام التقليدي القديم أن يحدثه في نفوسهم.

العكس هو الصحيح. وعندما تنحسر ثقة الشعوب بإعلام دولها، تبدأ فطرياً بالبحث عن المعلومة في إعلام دول غير دولها حتى لو كانت من دول الخصوم وحتى الأعداء.

يمكن للإنسان أن يخدع الآخرين على قاعدة الحرب خدعة، أما أن يخدع نفسه حتى وهو يدرك ذلك، فهذا أمر مستهجن حقاً.

الإعلام المبدع لا بد وأن يكون اهجيني ولكن من نوع مؤثر قادر على تحريك مشاعر الشعوب وطنياً قومياً إنسانياً كي تتفاعل وعن قناعة مع دولها وحكوماتها وما تتخذ من قرارات ومواقف..

الإعلام الذكي المبدع هو ما يصنع الرأي العام ويشكله ويوجهه وطنيا في رأي عام موحد ملتف حول الوطن والدولة وحكوماتها. والإعلام التقليدي الذي لا يتعدى كونه اهجيني من نوع رديء لا يطرب، يحدث أثراً عكسياً يطاول حتى قيم الانتماء والولاء وحب الأوطان.

الصراحة كما يقولون راحة، والصدق ينجي من المهالك، وعلينا نحن العرب إدراك حقيقة أن الزمن قد تغير وأن العالم بالتالي قد تغير وإن أدوات الأمس وأهمها سبل تقديم وجبات المعلومات لمتلقيها تغيرت وتطورت هي الأخرى.

الإعلام الحقيقي هو ما يقدم وجبات معلوماتية صادقة واضحة وشهية يسيل لها لعاب المستهدفين بها إيجابياً وهم الشعوب. أما الاكتفاء بـ «الاهجيني» الذي يمدح ويزين وليس في قاموسه سلبية واحدة منذ يولد وإلى أن يموت، فهو طعام غير شهي لا يستسيغ طعمه أحد.

الإعلام سلاح لا بل هو أقوى سلاح بيد الدول لتوحيد صفوف شعوبها وتعزيز قيم التعاون والتلاحم والتراحم والنخوة الوطنية بينها وبين دولها.

أما كيف ذلك... الكل لا بد وأن يدرك كيف ذلك. وإلا فنحن كمن يتلذذ بخداع نفسه، وتلك هي الطامة الكبرى. الله من وراء قصدي..