الحديث عن الأوطان ليس من نافلة القول. فالماء والهواء الذي يختلط مع الأنفاس والعروق يُنبت فينا شجر الانتماء للأوطان فتظلنا بظلالها، حتى وإن جافيناها، أو ابتعدنا عنها.
ومع تكالب الأمم على نفسها، في زمن التوهان، وفقدان العنوان، والسير نحو المجهول، وانعدام حب الأرض والحياة. وحيث الانغماس في حبّ الآلة وما تنتجه من زخارف وزبارق وأوهام، نعيش من خلالها حياة تحركنا آلة ونعمل بآلة ولا نستطيع فراق ذبذبات اللقاء والوصال والتواصل بيننا وبين كلّ شيء، في دوّامةٍ شكّلت الصورة النمطية لما يُعرف بالحضارة المعاصرة.
ففي سباق الزمن تركنا استخدام الساعة التي كانت بأيادينا نتبادل معها المودة ونورثها للذين من بعدنا، لنتحول إلى ساعة رقمية نضعها في جيوبنا، تربطنا بمواعيد مع المادة والإسراف والإنفاق في كلّ لحظة من أعمارنا، فلم يعد هناك موعد مع الفجر، فأيامنا تحولت ليالي، وأصبح الإنسان غريبا عن هذه الأرض التي تشرق شمسها بين الحين والآخر.
في هذا السباق غير المنضبط، في ميدان التهافت، لا بدّ أن نحاول التشبث بحبّ تراب الوطن، لنتذكر أننا هنا، ومن هنا.. من هذه الأرض التي نعيش عليها، فالإنسان يعطف على أخيه الإنسان، ونأكل مما نزرع كما زرعوا فأكلنا، وإذا نحن تأملنا حاضرَنا –الواقعَ منه والمأمول- فسنشرَع في فعل الصواب، واليقظة من كلّ زائفة، وترك الهوى والضلال، واتباع الرشاد، فالوطن فيه المخلِصون والخلّصون عند كلّ ضيق ومنحدر.
ليس هناك كالماضي نمضي إليه، فنستذكره ونُذاكره، لنعود أدراجنا نحمل من حكمته وإرشاداته، ما ينير لنا الدروب، ويمنع عنا الأذى، ويوحد صفوفنا، ويلمّ شعثنا. فالأردن مهد الحضارات التي مَرَّت ودرَجَت من هنا، له إرث عظيم من ديننا الإسلامي، وموقع جغرافيّ ومعالم حضارية تاريخية، حيث يمكننا أن نستيقظ على إيعاز: «الله الوطن المليك». في ثلاثية الانتماء الأبي الحر، الذي تربت عليه أجيال وأجيال، ومع إشراقة الشمس ننطلق إلى مزارعنا ومصانعنا ومتاجرنا، «لنبني هذا الوطن ونخدم هذه الأمة».
إننا نعيش في زمن السرعة، فبالأمس كان الناس يضحكون على بلدٍ ما، أنه متخلف وأنه ليس عنده كهرباء، لنستيقظ على قائمة أسرع نمو اقتصادي ونجد اسمَ ذلك البلد في مقدمات القائمة، وبلدٌ لم يكن عنده مدارس ولا معاهد ولا جامعات، وإذ به ينافس في المائة الأولى عالميا، كل ذلك بجهود أبنائه وبعزيمة الأبطال والعمال، فالأيدي العاملة، والمفكرون، والذين يتقنون ما يصنعون هم أبطال هذا الزمن. وأما الكسالى، والذين يبحثون عن الراحة والدعة ويطلبون من الوطن أن يوفر لهم كلّ شيء، نعم كلّ شيء، دونما أن يقدموا له أيّ شيء.. لا تعجبون!!، فهم?كثيرون.
إننا في زمنٍ لا يمكننا أن نتخلى عن الوطن، ولا أن نتخلى عن الوقوف معه في مرحلة عصيبة من حياته، وأما الذين يسارعون في كلّ فتنة، والذين يفسدون ما أصلح الناس، والذين لا يريدون في الأرض إصلاحا، فأولئك ليس لهم وطنٌ على سطح الأرض، فهم يتعلقون مع الفتنة العمياء يخدمونها.
أما أبناء الوطن.. فهم يعملون ويؤدون الواجب عليهم، ويزرعون ويحصدون، وعلى بيدر الحصاد نلتقي، ففي الليلة الظلماء يفتقد الوطن.
agaweed1966@gmail.com
وفـي الليلة الظلماء يُفتقد الوطن
11:02 23-3-2021
آخر تعديل :
الثلاثاء