كتاب

الأردن.. 

نعيش في هذا الزمان في عالم شبه مجنون لا مكان فيه إلا لقليل من الحكمة. والدليل ان الكوكب وقد ابتلي كله بداء قاتل يحصد في كل دقيقة آلاف الأرواح، ينغمس معظم ساكنيه في القتل والتشريد والتناحر على من يحكم ومن يفوز بالغنيمة.

هنا نستحضر باستنكار شديد مقولة إذا جن ربعك فما نفع عقلك، ونوظف عوضا عنها، لا بل حكم عقلك واحفظ نفسك ووطنك بكل ما أوتيت من حكمة، وصدق من قال.. العقل زينة.

نقفز إلى واقعنا في الأردن ونستذكر كيف كان العقل والحكمة ورجالهما وعبر مسيرتنا الطويلة، سبيلنا الأوحد والأهم للخروج سالمين من كل العثرات والمؤامرات التي واجهها بلدنا عبر التاريخ.

تلك الحكمة التي أعني تقول وبوضوح لا لبس فيه، أن الأردن وعرشه متلازمان لا انفكاك بينهما. تلك حقيقة يدركها الأردنيون جميعا بلا استثناء لأحد منهم، فلقد كان التناغم والتماهي الوجداني الصلب بين الشعب والعرش الملكي حائط صد غير قابل للاختراق. ولهذا صمد الاردن ونما وتطور وسط رهانات إقليمية ودولية كانت تنبهر بهذا الواقع خلافا لرهاناتها.

وتلك الحكمة العظمى، يفترض أن تتجسد اليوم في سلوكنا كمواطنين وفي قراراتنا كأجهزة حكم، بحيث نرتقي جميعا مسؤولين وشعبا في الطرح والتصرف، وبما يكفل خروج بلدنا وكالعادة مما هو فيه من مشكلات وأزمات.

هذا يعني أن نحكم العقل وصولا إلى قناعة فحواها اننا جميعا في مركب واحد يجب أن لا يغرق لا قدر الله. وهذا يعني أن لا يزاودن احد منا على آخر، وإنما حوار بالحسنى وتعاون تام في مناقشة واقعنا وما يجب أن نفعل ومعا لإصلاحه وتقويمه في مواجهة تحديات جسام عصفت باقطار وشعوب غيرنا، وصمدنا نحن وصبرنا وتحملنا بحمد الله.

أمننا الوطني الأردني وهو رأسمالنا الأول، يتحقق بالحوار والتفاهم استنادا إلى الوعي بحقيقة أن أي خلل فيه لا سمح الله، يعني الذهاب ببلادنا صوب المجهول، واجزم بأن ما من أردني واحد يقبل بذلك أو هو يريده مهما كانت حدة عتبه أو حتى غضبه.

يؤذي اسماعنا ومشاعرنا نحن العامة، ما نلحظ من تراشق بالاتهامات في نسق سلبي يشق صفنا ويأخذنا رغما عما نتمنى لبلدنا من أمن واستقرار وإصلاح وتطور، إلى مساحات سلبية من التناحر الضار عبر وسائل التواصل.

هنا نعود ثانية إلى حديث العقل والحكمة كسبيل لحفظ أمن الأردن، في ظرف جد خطر ودقيق وينذر بما يعاند مصالحنا العليا إقليميا ودوليا. ولا أخال أن هناك أردنيا واحدا يجهل ذلك، حيث ترتيبات كثيرة تجري من حولنا وعلى حدودنا، َبالذات على صعيد قضية فلسطين وحقوق شعبها الشقيق.

قوة الدولة هي في قوة رجالها بالحق، وفي قدرتهم على استقطاب ثقة شعوبها بها، وقوة الوطن هي بقوة تلاحم صف شعبه الواحد والتفافه الصلب حول دولته وقيادتها. وعليه، أعود ثانية إلى تأكيد حقيقة أن قوة الأردن، معيارها هو العلاقة الوجدانية الراسخة بين شعبه والعرش الهاشمي.

هذه العلاقة يجب، نعم، يجب أن تبقى عصية على الاختراق تحت أي ظرف كان. والسر في هذا كان ويجب أن يبقى هو في الارتقاء بالفكر والتفكير والقرار، إلى ما يسستنهض همم الجميع ثقة بالدولة وإخلاصا للعرش، ثم، في استحضار ثقتنا التاريخية نحن الشعب، بأن الأردن وعرشه الهاشمي متلازمان لا مجال للتفريق بينهما تحت وطأة اي ظرف كان.

قبل أن أغادر، ماسبق يقودنا إلى حتمية أن نجلس معا ومن كل المشارب والآراء والاجتهادات، لنرسم واقعا أفضل لبلدنا وعلى سائر الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ونحن بإذن الله قادرون، بعيدا عن طوفان التشكيك والاتهام والإشاعة وغث الكلام الذي لم يكن يوما من شيم شعبنا الوفي. والله من وراء قصدي.