لست هنا بصدد الحديث عن الأحوال الجوية, بل عما وصلت اليه مؤسساتنا العامة من ترهل وضعف, أوصلتنا الى ما نحن عليه الآن. كنت قد تحدثت في مقالاتي السابقة مرارا عن هذا الموضوع. وفي آخر ثلاثة مقالات على وجه الخصوص, كان عندي إلهام شخصي لتناول مواضيع ضعف الإدارة العامة, فكانت العناوين على التتابع: الأول (الطابور الخامس)، (الأيادي المرتجفة) والأخير بعنوان (آن الأوان للتغيير), أكدت فيها أن كثيرا من المسؤولين في إداراتنا وللأسف هم السبب المباشر للضعف والترهل, وعدم الإنتاج والتطور. بل هم أسباب مصائبنا التي أصبحنا نتداول?ا يوميا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي. أما عن أسباب وجود هؤلاء, فحدث ولا حرج, من واسطة الى محسوبية الى فساد الى جهوية وإقليمية ومحاصصة, الى غير ذلك من الأسباب. والأهم من ذلك هو الأسلوب النمطي في التعيينات والترفيعات للمناصب القيادية وحتى الوزراء, دون الأخذ بالاعتبار القدرة والمعرفة, فهذه المواقع تحتاج الى مهارات وقدرات خاصة, وإلا كانت النتائج لا تحمد عقباها, كما حصل قبل أيام في مستشفى السلط الحكومي. وحتى نكون أكثر إنصافا, فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الإدارات فقط, بل بسبب ترحيل المشكلات من وزي? لآخر, ومن حكومة لأخرى, والبحث عن حلول جزئية لمشاكل جوهرية, تكون في كثير من الأحيان سببا لكوارث لا يحمد عقباها.

إن جولة واحدة لكثير من مؤسسات الدولة, تجعلك تشاهد حجم الترهل الإنشائي للأبنية والخدمات المقدمة فيها, وكذلك الترهل الإداري, فيجد المراجع نفسه يتنقل من مكتب الى آخر لإنجاز معاملته وكأنه يتوسل من الموظفين إجابات منقوصة, معاملات مفقودة, تفوح لدى كثير من الموظفين رائحة عدم المبالاة وروح العداء, وفي هذا السياق حدث ولا حرج.

إن هذه الحالة من التراخي والإهمال, ليست بسبب العاملين فقط، ففي كثير من الأحيان يجد المسؤول نفسه ملزما بإدارة مؤسسته في ظل إمكانيات وموازنات هزيلة. والأهم تلك المتعلقة بالصيانة والاستدامة من ضمن موازنة المؤسسة, ناهيك عن غياب الكفاءات الفنية, ويكون جوابه عند الشكوى: «دبر حالك لا يوجد مخصصات». يقال: «اذا أردت ان تطاع فاطلب المستطاع», ففي كثير من الأحيان يجد المسؤول نفسه أمام خيارات, أحلاهما مر, وعليه تحمل المسؤولية وحده, واذا ما وقعت مصيبة او تقصير, عليه تحمل إزره وإزر من كان من قبله.

لا شك ان القطاع الصحي يعتبر من أهم القطاعات, الذي لا مجال فيه للتهاون, لأن أعماله مرتبطة بحياة وأرواح الناس, فلا مجال للخطأ او التقصير. ويبدو أن ما وصلنا اليه الآن, يعود لتراكم طويل المدى من الإهمال وعدم المبالاة في التعامل بجدية مع الملف الصحي, ابتداء من ملف أطباء الإختصاص, وملف الأجهزة الطبية والصيانة, انتهاء بالإحالات على التقاعد للخبرات الطبية, حتى جاء وباء كورونا, وكشف المستور. والأهم لقد أثبتت الأحداث ان القطاع الصحي على وجه الخصوص والقطاع العام على وجه العموم, يفتقر للخطط والاستراتيجيات التي تنظم عم?ه, فهذا المطر من ذاك الغيم.

المستشار واستاذ القانون الدولي العام