نسمع كثيرا في حياتنا اليومية عن مصطلح (الطابور الخامس), وعلى الفور يتبادر لأذهاننا أن الأشخاص الذين ينتمون لهذه الفئة هم أناس سيئون متآمرون متسلقون غير وطنيين, والأغلب يصنفون بأنهم انتهازيون. وأصبح هذا المصطلح يستخدم (شتيمة) عند المثقفين وبعض عامة الناس, ولكن ما حقيقة هذه التسمية؟.

لقد ظهرت هذه التسمية في إسبانيا إبان الحرب الأهلية الإسيانية 1936و,1939 بين الجمهوريين اليساريين بقيادة «مانويل أزانا», والذي كان على رأس السلطة في البلاد, وكان يحظى بتأييد الغالبية من عامة الشعب, في المقابل كان هناك معسكر القوميين بقيادة «فرانكو», وكانوا من ملاك الأراضي والأثرياء, ويميلون إلى الفاشية الدكتاتورية. قرر القوميون الانقلاب على الجمهوريين والإستيلاء على السلطة, فحشدوا لهم قوة عسكرية لاقتحام العاصمة مدريد بقيادة «إميلومولا», وفي مداخلة إذاعية أراد «مولا» أن يرعب من يسمعه من الجمهوريين داخل مدريد, ويشجع جيشه المكون من أربعة طوابير وقال إنه سوف يحاصر المدينة مدريد من أربع جهات, مدعياً أن هناك طابورا خامسا مشكلا من المتعاطفين معه الموجودين داخل العاصمة مدريد, وهم مدججون بالسلاح, يعملون بالخفاء لصالح الإنقلاب, وينتظرون قدوم طلائع الجيش للإنقضاض على الجمهوريين, أثار قوله شكوكا واسعة في صفوف الجمهوريين, وفتح الأبواب أمام الإتهامات والتخوين المتبادل بين الجمهوريين, حتى وصل الأمر حد القتل, فاهتزت صفوفهم ودخلت الطوابير الأربعة للقوميين العاصمة مدريد منتصرة, وبعدها تبين انه لم يكن هناك طابور خامس فانتشرت عبارة (الطابور الخامس) بعد ذلك على نطاق واسع في كل العالم, واستخدمتها الصحافة الغربية كمصطلح للدلالة عن (الجواسيس) مع فترة بداية الحرب العالمية الثانية 1939- 1945, ولا سيما من ألمانيا وإيطاليا, كوسيلة لتوظيف الجواسيس من نفس جنسية الدولة المراد إختراقها, وترسخ المصطلح أكثر مع استسلام فرنسا عام 1940, إذ كثر الحديث عن وجود طابور خامس فرنسي سلم البلاد للنازية, ثم أصبح المصطلح بعد ذلك يستخدم في كافة النواحي السياسية والإقتصادية, ويعني الجواسيس والخونة. وحتى من ناحية اجتماعية يستخدم (شتيمة). أصبح مفهوم الطابور الخامس من الجواسيس ومروجي الإشاعات حقيقة ثابته ووسيلة مهمة في الحروب الاستخباراتية, ليس العسكرية فقط, بل والاقتصادية وفي كثير من المجالات, وكانت هذه الوسيلة أكثر إنتشارا إبان الحرب الباردة, بين الإتحاد السوفييتي وأميركا. وما زال الى يومنا هذا الطابور الخامس موجود في كل بلدان العالم وحتى في بلدنا. ولقد ساعدت التكنولوجيا الرقمية والإعلام المتطور هذا الطابور على الإنتشار, وإشاعت الأخبار والدعايات الكاذبة, دون أية ضوابط أو خوف, ولكن المضحك, أن هناك أعدادا لا يستهان بها من هذا الطابور يعمل في بلدنا, او في الخارج, وهم نوعان, النوع الاول: الذين يلبسون ثوب العفة, سواء كانوا فعليا من رجال الإعلام او الكتاب أو أصحاب المعرفة, شعار بعضهم «كلمة حق أريد بها باطل», أو النوع الثاني ممن يدعون أنهم إعلاميون أو كتاب, أو من أصحاب المعرفة, فهولاء ينطبق عليهم مثل: (كذب الكذبة وصدقها), فهم في حقيقة الأمر, إما جهلة أو مأجورون أو حاقدون أو متسلقون. وفي النهاية أقول: إن خطر وباء الطابور الخامس لا يقل عن خطر كورونا, فهل من لقاح؟.

مستشار وأستاذ القانون الدولي العام