كتاب

المئوية.. صفحات مضيئة في تاريخ الأمة 2/3

بدأ القرن العشرون بصعوبات أجهضت كل مساعي السلم العالمي، فتمخضت عن حرب ضروس أكلت الأخضرَ وأشعلت اليابس، مما طرأ على المشرق العربي ملمّات قوضت أركان أمنه وأمانه، فتحرك على الفور أحرار الأمة العربية مراسلين آخر جذوة نور في الأمة أي: شريف مكة الحسين بن علي، الذي لبى نداءهم، ومما قام به أرسل أبناءه ليكونوا عوناً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بلاد العرب، وهنا:

تأسيس الدولة الأردنية:

كُلف عبدالله بن الحسين بمهمات متعددة، وصل به المطاف إلى معان جنوبي شرق الأردن فوصلها في 21 تشرين الثاني من عام 1920م فاستقبله أهلها بالترحاب فهم أهل النخوة ويعرفون قدرَ الهاشميين في الإسلام والعروبة، ويومها حدد عبدالله بن الحسين الهدف من قدومه وأنه يتطلع إلى تحرير سوريا من الاستعمار الفرنسي. وتلك عزيمة منه جعلت الأردنيين وأحرار العرب يلتفون حول ذلك الهدف السامي وفعلا دعا إلى اجتماع لأعضاء المؤتمر السوري في معان العامرة.

ويقول عبدالله بن الحسين في مذكراته: (وقوبلت بحماس من أهل مَعان وباديتها. ووجدت هناك الأمير غالب بيك الشعلان، والرئيس عبدالقادر الجنديّ والرئيس محمد علي العجلونيّ والمرحوم خلف بيك التل وغيرهم).

ودع الأمير عبدالله، معان وأهلها الذين أَحسنوا ضيافة الأمير وليس ذلك مستغربا عن أهل الكرم والجود. ويومها خطب فيهم مودعا لهم موصيا بالذي يدفع نحو إقامة التراص في الصف العربي الواحد. وتحرك الركب بالأمير الهاشمي إلى عمان نهاية شباط من عام 1921م.

إن المعيقات آنذاك أمام أي إنجازٍ له صبغة عربية يعتبر معجزة، فالمنتصر من الحرب العالمية يجلس على رأس أي طاولة مفاوضات ويضع شروطه ومطالبه كما يريد، فها هي بريطانيا تأمر عصبة الأمم بصيغة الطلب أن تكون منتدبة على فلسطين وشرق الأردن وتم لها الموافقة.

فلقد أخذَ الشريف الحسين بن علي المواثيق من بريطانيا لاستقلال المشرق العربي، ولم تلبث بريطانيا أن أعطت وعد بلفور لليهود في الاستيطان في فلسطين، مما حدا بالأحرار العرب المسارعة في إيقاظ الهمم وزيادة الوعي للحفاظ على الأوطان والإنسان.

في هذه الأثناء تجسدت عبقرية الأمير الهاشمي في الوصول إلى ما يقدر عليه لصالح أمته العربية، فقد بوّأه الله مكانة في قلوب المسلمين والعرب، وهو القائد المحنك في العديد من المواقع، وهو السياسي الشريف ابن الشريف. فكان الرأي بتأسيس إمارة شرقي الأردن، التي اصطدمت بضرورة الاعتراف الدولي بأي دولة وليدة، في عقلية أممية فرضتها أحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى. فبدأ الأمير الأديب الأريب المثقف، بجذب الخبرات والقدرات العربية للبدء في وضع القانون للدولة الأردنية - إمارة شرق الأردن - ضمن سلسلة من الأعمال التي سارع الأر?نيون إلى العون فيها والالتفاف حول راية توحدهم وتجعل دولتها نواة لتأسيس مملكة أردنية هاشمية، تسعى إلى الاستقلال من ربقة الانتداب والاستعمار الذي طرأ عليهم من غير موعد، وهم الذين تربوا على العزة وامنعة والكرامة.

أصبح الأردن على موعد مع سيادة عربية وموقع له صولات وجولات للصالح العربي، ومن بعده لصالح الأمة الإسلامية، ويليه مبادرات لصالح الإنسانية والعالم، في سلسلة من الجهود والمثابرة دونما كلل ولا ملل.

فمن اجتماع العروبة بالأمير الهاشمي من أم قيس إلى معان، مرورا بالعشائر الأردنية المبرزة ذات الكلمة والمكانة، والمدن الأردنية ذات الصلة بالحضارة والحاضرة، تتوج ذلك كله إلى إعلان الدولة الأردنية، امتداداً للجذور ومداً للجسور، وتطلعا لمستقبل واعد يملأ الدنيا سمعة طيبة عن جبال الشراه وسكان شرق النهر الذي له ارتباط أصيل بغرب النهر وبالجزيرة العربية وببلاد الشام وبلاد الرافدين وبلاد مصر الكنانة، ويحظى بعلاقة دولية متميزة.. الأردن مسيرة بدأت وبإذن الله ستستمر.

(يتبع)..

agaweed1966@gmail.com