كتاب

في ذكرى المئوية.. بين الإنجازات واستشراف المستقبل

بداية لابد من توضيح أمرين: الأول: أن الثورة العربية الكبرى التي قادها الهاشميون انطلقت بتأييد أحرار العرب ضد الاتحاديين الاتراك الذين اختطفوا الدولة العثمانية وسعوا نحو علمنتها وحاربوا الإسلام والعروبة وعاثوا في بلادنا أشد أنواع الفساد والإفساد، وأن الشعب الأردني وأحرار العرب استقبلوا وبايعوا الهاشميين منطلقين من شرعيتهم الدينية والعربية، فهم أسياد الأمة كابرا عن كابر ومن آل بيت رسول الله عليه السلام «ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار?على وجهه ما أقاموا الدين». وفي صحيح مسلم: «لا يزال الإسلام عزيزا بخلفاء كلهم من قريش» وقال عليه السلام «الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقا، ولكم عليهم حقا مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا’».

الأمر الثاني: أن الزعامات الوطنية الأردنية التي كانت في المدن الأردنية قبل إعلان الدولة الوطنية لم تكن قادرة على توحيد كافة مناطق شرق الاردن بدولة واحدة إما لضعف القدرة العسكرية أو لعدم وجود الرؤية الشمولية لفكرة الدولة الوطنية، لذلك ظهرت حكومات محلية ضعيفة لا تمتلك مقومات الدولة، كما أن الغالبية العظمى من هذه الزعامات وجدت بقدوم سمو الأمير عبدالله الأول ابن الحسين (الملك المؤسس) فرصة لتتوحد تحت قيادته فسارعت لمبايعته، وعليه، كان إعلان الدولة واستقلالها (الإمارة، المملكة) المنجز الأهم في تاريخ الأردن الحدي?.

أما المنجز الآخر فقد كان تأسيس الجيش العربي المصطفوي (القوات المسلحة الأردنية) الذي كان للأردنيين الشرف في الانخراط في صفوفه فكان الدعامة الأساسية لسيادة الدولة ومنعة بنائها والخيمة الوطنية الجامعة لهويتها ووحدتها الوطنية، وهو الوريث الشرعي لثورة العرب الكبرى وحامل لوائها النهضوي في الدفاع عن قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفسلطينية ودرتها القدس الشريف.

ومن أهم الإنجازات أيضا الحوكمة السياسية للدولة التي تجسدت من خلال دستور وطني جعل من الحكم نيابي ملكي وراثي، حيث جعل الشعب شريكا رئيسيا في إدارة الدولة من خلال برلمان منتخب، وهذا لم يتح للعديد من الشعوب العربية، التي عانت من انعدام المشاركة السياسية في ظل العديد من الأنظمة الدموية التي كانت عنوانا للعنف والاضطهاد والقتل، في الوقت الذي يفتخر الأردنيون فيه بممارسة حقوقهم السياسية دون إراقة قطرة دماء واحدة خلال مئوية دولتهم.

وفي حديثنا عن منجزات الدولة في مئويتها، لا ننسى نجاحنا في بناء دولة القانون والمؤسسات على اختلاف أنواعها ومؤسساتها، وهذا رسخ العمل المؤسسي وتطبيق سيادة القانون في كافة المجالات الحياتية للمواطن بعيدا عن أي اعتبارات تشكل خللا بمبدأ المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.

التسامح الديني بعيدا عن التعصب الطائفي والمذهبي والعرقي، يعد إنجازا مهما للدولة الأردنية، حيث يعيش الأردنيين من شتى منابتهم وأصولهم وبمختلف عقائدهم ومذاهبهم أسرة واحدة متحابة متكافلة تجمعهم المواطنة الصالحة في ظل سيادة القانون. تحظى الدولة الأردنية بسمعة دولية وثقة عالمية قل نظيرها في كافة المحافل الدولية، وهذا ساهم في تسويق كفاءاتها الوطنية بمختلف دول العالم، كما رفع من درجة اعتمادية العديد من دول الدول الكبرى والصديقة على الدور المحوري للمملكة في مختلف القضايا الدولية والإقليمية وجعل منها ملاذا آمنا لأحر?ر الأمة ومقصدا لكبار المستثمرين ورجال الأعمال مما حافظ على الميزة التنافسية للدولة وعزز استقرارها السياسي والأمني ذلك.

ونحن على أبواب المئوية الثانية لابد من مراجعة موضوعية استراتيجية تستثمر الفرصة المتاحة وتعالج فرص التحسين والتطوير وتجسـد فكراً إدارياً متجدداً ونموذجاً متطوراً للحكومـات المؤثـرة القـادرة علـى فهـم واستشـراف وصناعـة المستقبل والسعي إلى تحسين جودة حياة المجتمع الأردني في كافة مناحيها. حققنا الكثير، لكن هذا يدفعنا للتحسين المستمر، الشعب الأردني يستحق أن يكافئ على صبره، فهو يتطلع إلى إصلاح سياسي شامل يضمن تطوير نظم المساءلة الوطنية وتعزيز السلطة التشريعية بمجلس نيابي يفرزه قانون انتخاب عصري، وحكومات تتشكل من?كفاءات وطنية تحمل الهم الوطني، وتعيد الاعتبار للجهاز الإداري الحكومي الذي كان عرضة للتجارب غير الموفقة من حكومات سابقة اعتمدت على «المستجدين» وعديمي الخبرة في العمل الحكومي ساهم في انخفاض معدل كفاءة القطاع الحكومي وفق المؤشرات الدولية، فحسب تقرير البنك الدولي2017 أظهرت مؤشرات كفاءة الحكومة الأردنية بمعدل 57.69 % وبمعدل 57.21 %عام 2018 مما يدل على وجود انخفاض معدل الكفاءة حسب منهجية قياس البنك الدولي مقارنة مع الدول في مجال التقييم كحجم الجهاز الحكومي، وتراجع الاردن من 51.9 في عام 2018 إلى 49.6 في عام 2020.?لا أريد أن استعرض العديد من المؤشرات، الذي يهمنا إيصاله هنا، ومن منطلق حرصنا على ديمومة الدولة ومنعتها، أن الدولة الأردنية بحاجة ماسة لفكر استراتيجي تبلوره نخبة من الكفاءات الوطنية يفضي إلى استراتيجية نهضة وطنية حقيقية يتم ترجمتها إلى برامج تنفيذية بمؤشرات قياس دقيقة تلتزم بها كافة الحكومات القادمة بعيدا عن الشخصنة والأجندات غير الموضوعية، ويكون الحكم على مخرجات أداء هذه الحكومات من المواطن والجهات الرقابية الوطنية.

أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا