كتاب

اللغة العربية..  حينما تجسّد وحدة الأمة

في سردية للوقائع التاريخية للأمة العربية، نجدُ أنفسنا في أحضان رياض الفصاحة والسياقة ومحاسن التعبير، فننزل أهلًا ونطأ سهلًا، ونتفيأ ظلال الفوائد والفرائد.

وفي يوم هلّ فيه هلالُ ربيع الأول، وتنزلت آيات النور على جبل النور، نورًا استقرّ في قلب النبيّ العربيّ محمد صلى الله عليه وسلّم، يومها.. ازدانت اللغة العربية بنزول القرآن الكريم بها، واستطالت أمجاد العرب بلغتهم. فكتبوا شتى العلوم بها، ودونوا كافة الفهوم بها، فلم يعجزوا عن تعبيرٍ. وأصبحت دول العالم تتنافس في تعلّم العربية وتعليمها، وتفخر بكلّ إنتاج يص در عن لغتنا الجميلة.

ومع بداية القرن العشرين اعتلت صيحات لإلغاء اللغة العربية، ومنع الاقتراب منها والاكتراث بها، وادعى أعداؤها:أنّ الحضارة المعاصرة تتكلم بلغات أجنبية، وكان لدعواهم أغراضٌ انكشفت. فهم للأسف خذلوا لغتَهم العربية. مع أنها لم تخذل العلم والعلماء، وتعالت حضارة بلغة هي للوعي والفهم أقرب.

لكن.. لم يلبث الربع الثالث من القرن العشرين على الانتهاء، وإذ بهيئة الأمم تقرر يوما للغة العربية واعتمادها عالميًّا بشكل رسميّ، وكان من المؤسف أن يسبق هذا القرار بعض الدول العربية التي كانت بعض معاملاتها غير معتمد فيها اللغة العربية.

فَغدَا يومُ الثامن عشر من كانون الأول، يومًا عالميا للغة العربية، وفيه يحقّ لنا أن نتباهى بلغتنا، وأن نعيد حساباتنا مع مدارستها وإلى أين وصلنا:

فكيف نحن مع النداء إذا نادتنا أمتُنا فهل نستجيب؟، أم أننا بحاجة إلى التوكيد بين الفينة والأخرى؟. وكيف نحن مع الجَزْم في تقديم الواجب نحو أمة تجمعنا بنُطق الضاد.

وهل نعيش الظرف المكانيّ والزماني لنحقق الوصل، والعطف على أمتنا الماجدة؟ وهل نحن نخاطبها بلغات الحبّ: شعرا ونثرا وتنبيها وتنويها. وهل رفعنا شأن لغتنا ونصبنا لها راية الفخر؟ وهل نجرّ أحزانها لتصبح ماضٍ نتعداه إلى حاضر مزدهر، ومستقبل أزهر.

لغتنا العربية بالغة الأهمية، وبلاغتُها لها أهمية. فهل أبلغنا العالَمَ قضايانا، بلغتنا وأقوالٍ تجسّد آمالَنا وتحقق جَمالَ أمجادنا على صفحة الأيام، ولا تكون مطالبنا ونحن في فرقة من أمرنا، فنبكي ماضينا بقولِ: كان يا مكان.

نحن أمة الضادِ نَحِنّ إلى قوة الحرف وجسارة اللغة، ووحدة جسد الأمة لنحيا بلغة تجمعنا بغسانٍ وعدنانِ، فمن عمّان إلى بغدادٍ فتطوان، ومن مصر إلى يمن، ومن الخليج إلى المحيط إلى الشام فالسودان، بلادٌ تعيش وجدانها يوما بيوم مع حروفٍ تجمع ولا تفرق.

وإنّ اللغة العربية في يومها العالميّ، تقرع أسماعنا لتوقظ فينا همم العزيمة، وتذكرنا كيف أننا بلحن العودة إلى تراثنا نكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه بلد تداعت له بلاد الوطن الكبير، بكبير اهتمام وقليل تأخير، وزيادة ألفة ومودة.

مع اللغة العربية لا نعرف فصلا بين الجُمل، والوصل في حينه أجمل، ولا ننادي البعيد بلغة القريب، ولا القريب بلغة البعيد، ففي العربية توكيد على متانة النصوص، وعلى علاقة الماضي بالحاضر، وأمسِ ينبني عليه الغدُ.. والغدُ بإذن الله أجمل. فقط حينما يجمعنا كتاب واحد وتراب واحد وهمٌّ واحد، ولسان عربيّ واحد.

فشمس العربية لن تغيب، فلنأخذ منها غذاءنا لمواصلة درب الحياة، ونستقي منها دواءنا لمنع كلّ داهية تبعدنا عن مقصدنا.. فهنيئا لنا بلغتنا وهنيئا للعالم بيومها وعيدها المبارك السعيد.

agaweed1966@gmail.com