هذا الجوهر التحليلي الذي اعتمدته في القراءة الأولية لخطاب العرش والذي اعتبر خطابا مقتضباً بمحددات وجوهر عميق يجعل مؤسسات الدولة وسلطتها تبحث عن آليات جديدة سمتها التكامل والشراكة والمصلحة الوطنية العليا هي الهدف والمحور الذي يجب أن يتأسس على قاعدته كل آداء السلطات انطلاقا من الأبعاد الواقعية الاقتصادية والسياسية التي يمر بها وطننا الحبيب.
هذه هي المقدمة والرسائل.
إن الجانب الأكثر خطورة التي بعث بها من خلال رسالات واضحة المعالم ودون تشفير ارتكزت على البعد السياسي والقائم على محورية ومركزية وأولوية القضية الفلسطينية في سياق البناء الدبلوماسي الأردني ومعايير تجاذباته السياسية فقد أوضح جلالة الملك بلغة واضحة بأن الثوابت القيمية والروحية والسياسية والتاريخية لا يمكنها أن تخضع لأي متغير سياسي، وإن القضية الفلسطينية والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة والتي صانها وناضل من أجل الحفاظ عليها من خلال مفهومي الدم والبناء فهي خط أحمر ارتكازاً على حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة القابلة للحياة على خطوط وحدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية ضمن إطار الحفاظ على الواقع القانوني والتاريخي والدولي للوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية كونها منوطة للهاشميين وبإشراف أشراف الأمة الإسلامية منذ 100عام وهذا خط أحمر غليظ بالنسبة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
إن القدس للهاشميين لا تعبر فقط عن بعدها الروحاني والديني إنما تعبر عن بعد عروبي انبثق من جوهر الثورة العربية الكبرى التي استهدفت بكل تفاصيلها التغييب الممنهج للعروبة وللقومية العربية والتي كان تصدت لها الثورة بالجوهر والمضمون ليس استهدافاً للخلافة الاسلامية المقدسة إنما إلى مفهوم التتريك لبنية الإسلام السياسي وعروبة تلك الرسالة فقد قال الله سبحانه وتعالى "لقد جعلناه قرآناً عربياً" وفي آية أخرى "فقد أنزلناه قرآنا عربياً"، لذلك تصدت الثورة العربية الكبرى بقيادته الهاشمية العروبية لسياسة التتريك التي لم تقتصر على الأدوات والمعاملات وبيروقراطية التعامل المكتبي والإداري إنما تصدت إلى تتريك اللغوي للقرآن الكريم.
من هنا ومن هذه الزاوية فإن الوصاية الهاشمية هي قلب الصراع وهي علاوة عن بعدها الديني والروحي فهي تحمل في طياتها بعداً عربياً وقومياً وسياسياً لم يسمح لكائن من كان الإلتفاف عليها أو تجاوزها او الشراكة معها أو تقسيم أدواتها زمانياً ومكانياً.