في مثل هذه الأيام من كلّ عام منذ يوم الحج الأكبر، يوم حجة الوداع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي الهاشميّ الأمين، والأمة لم تودّع حجها، سوى هذا العام حيث جائحة وباء كورونا، ومع أنّ هناك ثلة من المسلمين سيقومون بأداء الحج في أعداد لا تكاد تملأ جفنة العين، إلا أنّه بنظر الأمة الممتدة هو حجّ لا يكتمل، على الأقل: لا تكتمل فرحته.
وها نحن على أبواب أيام عرفة ومزدلفة ومِنى، وسنذرف الدموع هذه المرة ليس شوقا إلى البيت الحرام، وإلى مكة والمدينة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن على حرمان الأمة من اجتماعها السنويّ المعنويّ والجسديّ، الاجتماع الذي يشعرها بكينونتها ومقامها وقدرها والتفافها حول قياداتها، واقترابها من علمائها ومرشدي الحج، وتلك المشاعر للمشاعر والمنى تشمل من حجّ ومن لم يحج.
اليوم.. حجنا غير، وعرفة بعيدة عنا، ومنى ليس فيها مبيت، ومع ذلك كلّه يبقى أملُنا بالله كبيرا بأن يأتي الحج القابل، والأمة بألف خير، ووطننا الأردن بألف ألف خير، وأن تكون الإنسانية قد انفكت من وباء كورونا وعادت إلى حياتها الطبيعية.
ويبقى موسم الحجّ تحمل طياته العديد من الدروس والعبر، وأما في موسمنا هذا، فهناك الدرس الأكبر، الذي ينضاف إلى سجلّ حياة الأمة الإسلامية على وجه الخصوص، وحياة الإنسانية عامة، لأنّ موسم الحج من كلّ عام لا يقتصر على اقتصاد المسلمين ولا على تعاملاتهم فحسب، بل هناك التشاركية الأممية لموسم إيماني إنسانيّ بامتياز.
ومما يستفاد من الدرس الأكبر، على المستوى المحلّيّ، أمور منها:
أولا: إنّ الأردنّ ينبغي أن يأخذ مكانته الدينية والاقتصادية فيما يُعنى بموسم الحج، فهو إضافة لما يتمتع به من مكانة تاريخية وجغرافية بين المساجد الثلاثة، فهو بوابة ذات أبعاد هامة في الذهاب والإياب إلى مكة والمدينة –برًّا على وجه التحديد-.
ثانيا: إنّ الحجّ الذي أخذ منحى التجارة فيغتني أناس على حساب الخدمات المقدمة للحجاج، ويأخذ منحى البذخ عند البعض، فينبغي أن تكون الروحانيات هي الأساس في موسم الحجّ، ولا أقول هنا أنّ حرمان الأمة منه عقاب لها، فأمر ذلك عند ربنا.
ثالثا: لا توقّفَ لأعمال الخير: فعمل الخير لا يعرف انفكاكا عن الزمان والمكان، فهو حاضر في كلّ حين، فليسارع الذين كانوا على نية الحجّ من إخراج الصدقات والمعونات للمحتاجين، حتى لو كانت تكلفة الحجّ وزيادة، وأجرهم على الله، وقد فعله العالم الزاهد عبدالله بن المبارك مرّة وهو في طريقه لأداء لحجّ.
رابعا: هل قام المعنيون بالحجّ بعمل ورشات عمل ومؤتمرات تحاكي موسم الحج لنقف على الأخطاء المتكررة من كلّ عام؟ ولماذا لم نقم بتكثيف ثقافة الحجّ باستغلال الراحة من السفر للضرورة فنملأ الإناء مما تيسّر من الجهود؟ آخذين بعين الاعتبار البعد الزمنيّ بين الحجّين السابق والقادم فنتجهز فيما يعود علينا بالنفع الوفير.
خامسا: حرماننا الحجّ لهذا العام يدعونا للتأمل في أنّ الحياة لا تستحقّ منا التناحر عليها، بل الواجب علينا أن نزرع الإنسانية والمحبة والألفة بيننا وبين الناس جميعا فذلكم هي دروس الحج الأكبر
agaweed2007@yahoo.com
الحج.. ودرس كورونا الأكبر
10:12 28-7-2020
آخر تعديل :
الثلاثاء