كتاب

هل تنحاز نقابة المعلمين لمنطق الواقع؟

علاوات المعلمين قضية عادلة بكل المعايير، ولا أحد يستطيع أن يجادل بأن المعلم الأردني يستحق أكثر من الاتفاق الذي أبرمته النقابة مع الحكومة مطلع تشرين الأول من العام الماضي.

لكن، لو كنت صاحب نفوذ في النقابة لقبلت فورا بقرار الحكومة القاضي بوقف العمل بالزيادة المقررة لموظفي الجهاز الحكومي على نسبة العلاوات الفنية المعتمدة، لأن هذا القرار لم يكن موجها للمعلمين، بل شمل فئات عديدة منها ضباط وأفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وآخرين.. وهو ما يعني أنه لا يوجد تقصد إزاء فئة معينة أو شريحة من المجتمع، لكن الهدف الرئيسي كان تجاوز آثار جائحة كورونا.

واقع الحال، يؤكد بأن الأردن يمر بظرف استثنائي في الاقتصاد والسياسة، ويحتاج لرجال دولة استثنائيين، وقيادات نقابية متبصرة قادرة على استشراف المستقبل، ومواطنين يتفهمون المستجدات الاقتصادية، ويحاولون التأقلم معها لحين ميسرة، فالدولة تقلصت إيراداتها إلى حد كبير، وكورونا ضربت القطاع الخاص في مقتل، ولنكن واضحين بأن هناك مؤسسات على شفير الهاوية، ما لم تسارع الحكومة بإكمال إجراءاتها العلاجية.

جميع القطاعات تضررت وتئن، وليس هناك استثناءات، فكل لحق به الضرر بقدر ما، حتى الطالب لم ينل حظه من التعليم كما يجب، ولعل أقل المتضررين ماليا هم العاملون في الجهاز الحكومي، فهم خسروا علاواتهم لكنهم لم يخسروا رواتبهم لشهور أو جزءا كبيرا منها كما حدث للعاملين في القطاع الخاص.

وزارة التربية لم تغلق أبوابها، والتعليم سيستمر في العام القادم بإذن الله، والرواتب والعلاوات سيتقاضاها أصحابها، لكن الجائحة دفعت بعاملين في القطاع الخاص إلى المجهول، فمنهم ما يزال بلا راتب منذ الجائحة وحتى اللحظة، ومنهم من خسر وظيفته بسبب تقلص أعمال شركته التي يعمل فيها أو لإغلاقها.

كنت وما زلت من المتعصبين لنيل المعلم حقوقه كاملة، بل والاستثمار فيه قدرما أمكن، لأن المعلمين هم من يشكلون مستقبلنا، ولأنهم من أهم الشرائح المجتمعية التي اضطلعت بمسؤولياتها في بداية أزمة كورونا، كانوا من أول الواقفين مع البلد بتبرعهم لصندوق همة وطن، ولما سبق، فإن الجميع يترقب إعلانهم قبول القرار الحكومي المتعلق بالعلاوات الفنية، فالمسألة تخرج من دائرة المنتصر والمغلوب إلى دائرة الانحياز لوطن تعيش غالبية شرائحه ظروفا اقتصادية صعبة كما هي الحال في بلاد أكثر غنى منه.

عندما قرر المعلمون العام الماضي الإضراب والاعتصام، وجدوا حاضنة شعبية تعاطفت معهم، لأن الهدف كان إثبات الحق، أما الآن فالحق أبلج لا جدال فيه، غير أن الجميع مكلومون ولدى كل شخص أزمته الذاتية، والقطاع الخاص يترقب إلى أين تتجه الأمور، وعجلة الإنتاج تدور ببطء شديد في كافة القطاعات، وهاجس العبور إلى ما بعد الوباء يخيم فوق رأس الجميع، وهنا أعني تماما استخدام كلمة «رأس» مفردة لأننا إذا أصبحنا رؤوسا هلكنا جميعا.

ملف علاوات المعلمين لا يحل بمناكفات قانونية، أو بتراشق إعلامي، وسعة الأفق وحدها تفكك المعضلات والأزمات، فالأردن الآن يحتاج لأن يقف أبناؤه في خندق واحد، للتغلب على آثار الخسارات الاقتصادية، وبطريقة لا تقود إلى خسارات سياسية، فالمجتمع منهك أكثر مما ينبغي، والبحث عن العلاج أولى بكثير من التطلع إلى منجزات قد لا تحدث فرقا جذريا في تحسين حياة المعلمين أو غيرهم حتى مطلع العام القادم، وهو الموعد الذي تعهدت فيه الحكومة بصرف العلاوات.

القضية برمتها ليست استعراضا أو فرضا لهيبة أو اصطفافا إلى جانب فئة أو حكومة، بل انحياز إلى منطق الواقع، وكما قلنا فإنه من غير المستساغ ولا المقبول من المعلمين طليعة المجتمع أن يبدأوا بأي إجراء احتجاجي في وقت يخوض فيه الأردن معركة كبيرة ضد مشروع احتلالي ضخم يهدف لقضم أراض فلسطينية واسعة، وحل مشكلته على حساب الأردن بصيغ عديدة.

المعلمون لن يقبلوا بأن يسجل التاريخ بأنهم كانوا المحرض و شرارة الاشتعال في بدء احتجاجات قد تتسع، وتطال قطاعات عديدة في ظرف اقتصادي صعب، نحن جميعا بحاجة إلى تفكير عقلاني ينقذ جميع المتضررين في السفينة، ويسقط أحلام القائلين بأن الأردن سيستسلم لقرار الضم إذا قطعت عنه المساعدات الاقتصادية، وسيضطر إلى تلبية احتياجات مواطنيه الغاضبين تحت وطأة الضغوط الاقتصادية مهما كان الثمن.

قد يتحول الحق إلى باطل أو نقمة إذا أسأنا وقت استخدامه... فلا الدولة ستسمح به، ولا المجتمع سيقبله، ولا الراشدون من المعلمين.. وكلهم راشدون.

Ishttawi68@hotmail.com