بعد الانتصار الكبير الذي سجله الأردن في الحرب الوبائية ضد فيروس كورونا وبأقل الخسائر، وبعد عودة الاستقرار النسبي في أركان الحياة وعجلتها، هناك ضبابية غير متوقعة أو مألوفة تحيط بالسلوك الممارس من قبل الأفراد والمؤسسات؛ الحكومية والخاصة، وقد نجتهد بالقول والتحليل بهدف التشخيص لوضع خطة للعلاج، بعيدا عن التوقعات المغلفة بترجمة الأحلام، فالتقرير اليومي لوزارة الصحة عن الوباء يحمل أكثر من رسالة ولا يطمئن، يشهد تسجيل تشخيص حالات إصابات جديدة، ينحصر مصدرها لدرجة معينة بالقادمين ومخالطين لمصابين، يتبعها عزل للأشخاص والمناطق والبنايات والأحياء، واقع يبعث برسائل الخوف وينسف مبادئ الإطمئنان، وربما أن العلاقة التاريخية المتوترة بين الحكومة والشعب والمتمثلة بتذبذب الثقة لم تمنح الحكومة ثقة متجددة بنتائجها، ليجعل عدم الإلتزام بأبجديات الوصايا الصحية سلوك التحدي للأفراد، فهناك تضارب في المعلومات يطلقها أصحاب الإختصاص والجهات ذات العلاقة بجميع الشؤون المتعلقة بالمرض، تدخل المواطن في حيرة من أمره عن السلوك الصحيح، بعد هذا الكم الهائل من الرسائل الإعلامية المتناقضة؛ الخاصة منها والرسمية، التي تكتب وتطلق بحرية التعبير عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وربما تحليل بسيط لاستطلاع آراء الناس عن سبب هذا السلوك، يفضي لنتيجة صادمة، أن البناء لهيكل ثقة مهزوز عبر مسافات الزمن يحتاج لبرمجة جديدة.
الجهود الحكومية المقدرة بتوجيهات ومتابعات ملكية مستمرة، أوصلت قارب الدولة الأردنية لشط الأمان المثالي الذي نتمناه، بتعاون من الشعب الذي حُجِرَ بمنزله استجابة ومطلبا، لكن الثغرات بالخطط الحكومية والمتمثلة بقرارات نصنفها بغير الموفقة أو المناسبة، جعلت الضبابية سيدة الموقف، فالقرار الصحيح يستحق درجة النجاح بالدرجة الكاملة بمحتواه وتوقيته، واستخدام سلاح التهديد بالعقوبات الجماعية، هو سلاح ضعيف لن يغير من ظروف المشهد، لأن انحراف بوصلة ثقافة السلوك، يحتاج لخطط إقناع للصالح العام والخاص وبعيدا عن التسويف، وأعتقد أن ضبط إيقاع السيمفونية الإعلامية بجميع منصاتها، هي مسؤولية مشتركة بقيادة الجانب الحكومي، ضمن ضوابط الشفافية والوضوح لكسب المصداقية، وبدايتها، حصر المعلومات الوبائية بالناطق الرسمي للجنة الأوبئة، الذي بذل جهدا مضاعفا مشكورا لإيصال الرسالة والمعلومة بصورتها النقية، وأتمنى التخفيف من عدد المقابلات الإعلامية عبر الوسائل المختلفة، فمقدمي البرامج قد ساهموا بالعزوف عن المتابعة، وخلط أوراق المشهد الصحي، تحت عنوان السبق الإعلامي، كما أن الاستماع لآراء متناقضة من أهل الإختصاص، يصهر الثقة ويصنفها بصبغة مغايرة.
خطوة العودة للحياة الطبيعية بحرية مبرمجة تحمل أبعاد الحرص، هي مطلب وحق، والتفكير بسلبها لمبررات أو سلوكيات فردية، تفكير يفتقد للحكمة بالإدارة، وتحدي الأشخاص للنصائح والقرارات الحكومية ذات العلاقة، سلوك يوجب التغير لفائدة فردية وجماعية، فملخص ملف الوباء حتى الساعة يحتوي على عدة حقائق؛ الوباء فيروسي طبيعي، لا يوجد له علاج أو لقاح فعال، ينتقل عن طريق رذاذ السعال والتنفس المصاحب لملامسة العين والأنف والفم، والتباعد الجسدي، مع تغيرات بأنماط السلوك الفردي، وإرتداء الكمامة بشكلها الصحيح وفي الأماكن التي تتطلب الإرتداء، يمثل قمة السلوك الحضاري المسؤول، بغيرة وحرص على الذات والمحيطين، والنظافة الشخصية تنعكس إيجابا على الجميع، فواقع حالنا لا يسمح بعودة إغلاق جديدة لأنها ستكون كارثية وتلحق دمارا أكثر من الوباء، فدرجة التضحية والتحمل على مقصلة الإمتحان.
الاستفادة من تجارب الغير في التعامل مع الوباء، حكمة، وأقصد الدول المنافسة التي بدأت بفتح مجالات الإقتصاد تمهيدا للعودة الكاملة للحياة الطبيعية، مع دراسة حقيقية لواقعنا، يجب أن تكون الخطوة التالية على سلم الأولويات، ففتح المطارات والحدود أمام حركة السفر، خطوة تصنف بأولوية خلال الفترة القادمة، لأثرها الكبير والمباشر على مفاصل الدولة الأردنية؛ الإقتصادية، الاستثمارية، المالية، السياحية، والتي ستنعكس على حياة الناس، وعلينا التكيف مع الأنماط الإيجابية الجديدة التي فرضها الفيروس اللعين، فترجمة حب الذات والوطن، تتمثل بالسلوك وليس بالكلام عبر وسائل الإعلام تحت فاصل الحرية لأن اهتزاز الثقة وثقافة الاستهتار بعدم الإلتزام مصيبة وللحديث بقية.
اهتزاز الثقة وثقافة الاستهتار بعدم الإلتزام
10:18 14-6-2020
آخر تعديل :
الأحد