كتاب

دار في خلدي.. فداك نفسي يا بلدي

بين تراكمات الحياة، يبحث الإنسان عن أولوياته، فيجد أن التراب الذي خطا عليه أولى خطواته، والهواء الذي تنفَّسه بادئ الأمر، والماءَ الذي سقاه ورواه، كل ذلك مما يخلّدُ في الذكريات اسمًا لا ينفكّ عن ذلك الإنسان، إنه: الوطن.. قطعة من الأرض يولد ويعيش عليها الإنسان ويتمتع بحقوقه فيها، ويلتزم بواجبات الانتماء لهذه الارض، حيث يعيش الانسان ويعمل وينمو ويبني ويحقق طموحاته في البقاء، ويبقى أولى أولوياته للمزيد من كلّ خير.

كما أنه.. من الضروري أن تكون لنا انتماءات وأحاسيس ومشاعر نبيلة تجاه الوطن. ومن تراثنا الأدبي العربي كلمات مفعمة أصيلة بحب الوطن والانتماء إليه، حتى وإن تجافت الأبدان عن المكان، ومن ذلك: «إذا أحسَّت النفس بمولدِها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم». وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه». وذكر أعرابيٌّ بلدةً فقال: رملةٌ كنت جنين رُكامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها. كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه، وتستسفه، وتطرحه في الماء إذا شربته.

وللوطن مفاهيم تترسخ بالمحبة، ذلك أنّ الحبّ دافع لفعل الخير سياج عن الشرّ، وهو الحمى الذي نحتمي فيه وبه: «حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك». وما بناء الوطن إلا بالحبّ المتجذر الذي يسقيه الآباء إلى أبنائهم: فيروى أنّ عمر بن الخطاب قال: عَمَّرَ اللهُ البلدان بحبِّ الأوطان.

وحيث إننا نعيش في وطنٍ يُعلّمنا كيف نصنع من ظلام الليل شعلة، وكيف ننسج من خيوط الشمس غطاءً يشملنا بعطف الوطن، فإنه لا بدّ أن نصنع الإنجاز تلو الآخر، دونما تردد ولا انحياز نحو اللامبالاة، فالوطن الذي اسمه: «الأردنّ» نجد أنه يعشق الجَمالَ في المنظر والمخبر، وأننا بحبنا إليه نسير نحو القمة بعلوّ الهمة.

وحتى لا يظننّ أحدٌ أنني أجاملُ أو أنظّر، فلينظر حواليه، كيف ينظر إلينا الناس بنظرة الإعجاب والتقدير، لأننا نبني علاقتنا بالآخرين على مبدأ احترام الذات وتطويرها بناء على أسس ومعطيات تنفع الوطن والمواطن.

ولأن الحديث ذو شجون.. فهل نقتبس من تاريخ أمجاد هذا الوطن لنزداد يقينا على أننا إذا دار في خلدنا شيء فليكن: فداك أنفسنا أيها الوطن، فأنت الشجر وأنت الثمر، وأنت النفَس الذي بترداده تنتعش الأجواء وتزدان به الدنيا.

ولأنّ الحديث مع الوطن يزداد شجوانا.. فإننا على يقين بأنّنا نكسب إذا كسب الوطن، وأن الرزق الجميل يأتينا برغد العيش في ظلال الوطن، ويبقى علينا أن نبعد البغضاء والشحناء بيننا، ونعرف كيف نسلك الطريق في خدمة الوطن وفي خدمة المجتمع، لأنّ ذلك يعود نفعه على الآحاد من الناس. كما يجب علينا أن نبتعد عن كل مفسدة تعطب بناء التماسك أو توهن قوة الوحدة بيننا.

وفي الأردن وطن يدور في خلَدنا أن نصنع من حروف المودة سياجا حوله، وأن نقدم للعالم أنموذجا يحتذى، وأنه يستحق أن نسهر لأجله وأن نتفانى وأن نفديه بالغالي والنفيس.

agaweed2007@yahoo.com