وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على طريق الحج القادم من الكوفة، وسأل القافلة أسئلةً فأجابوا بنجاح باهر، فقال: أفيكم عبدالله بن مسعود؟. فقال القوم: نعم. وكان ابنُ مسعود أرسله أميرُ المؤمنين ليعلم الناسَ، في الكوفة.
واليوم انتابتني ذكرياتٌ أعادتني إلى سبعة وثلاثين عاما، حيث كنت أَدرُسُ في مدرسة الشريف حسين بن ناصر في ضواحي عَمّان، وكان في المدْرَسة معلمون مخلصون منهم: مدرس مادة الرياضيات الأستاذ/ عبداللطيف، ومدرس اللغة الإنجليزية الأستاذ/ محمد حسن.
منهما تعلمتُ الشيءَ الكثير، ومن ذلك: الإخلاص للوطن، والصبر على مهنة التعليم، وإيثار الآجل بالعاجل، مع ابتسامة عريضة كانت على محياهما، تماما مثل الكثيرين ممن أكرمني اللهُ بهم معلمين نبلاء.
وفي بداية الثمانينيات حضرت لجنة من سلطنة عُمَان وكان اختيار الأستاذين/ عبداللطيف ومحمد حسن، ليكون الراتب ثلاثة أضعافه للتدريس في سلطنة عمان، مع بقاء الراتب يجري كما هو في الأردن، ضمن حوافز عديدة، فتفاجأنا جميعا أنهما لم يذهبا وسمعتهما يتحدثان: كم يسعدنا الذهاب إلى عُمَان، إلا أنّ تعليمَ أبنائنا وطلابنا أحبُّ إلينا.
كان المدرّسان من النوع الأنموذجيّ الفريد، فقد كانا يداومان أيام الجمعة في زمن كان الدوام فيه من السبت إلى الخميس، فيضيفان بإذن المدير دواما إضافيا دون مقابل، ويضعان برنامجا كل ساعتين للأول وحتى الثالث ثانوي، كلّ على حدة، بل ويحضران أحيانا الضيافة معهما. صدقا كنت متعجبا من صنيعهما وكيف كان الراتب يكفي أحدهما، إلى أن كبرت وتعلمت شيئا اسمه: «البركة».
كان الأستاذان عبداللطيف ومحمد حسن، يفتحان أبواب بيتيْهما على مدار الأسبوع وخصوصا قبيل أيام الامتحانات، فيدرسان ويعززان الطلبة على أكمل وجه، وكانا يشترطان عدم إحضار الهدايا ولا بأي شكل من الأشكال.
أما كفاءتهما.. فأشهد وكلّ أبناء جيلي يشهدون على كفاءتهما البالغة وأسلوبهما الراقي، حتى إنهما كانا يمتازان بالجدية التامة إلا أنهما كانا يرغباننا بإطلاق الابتسامة ويطلبان منا السعي الحقيقي للإنجاز. كما أنهما كانا يقومان باستثمار كلّ دقيقة ليس من حصة الدرس فحسب بل الخمس دقائق ما قبل الحصة، ويتركان التفتيش على الواجبات للطلاب الأوائل في الصفّ.
أيها المعلمون.. هل فيكم أستاذي عبداللطيف؟. أقولها والقلب يتقطع على سماع خبر وفاته قبل سنة، مات عبداللطيف وترك إرثا لا يضاهي، وذكريات لا تنسى. رحمك الله يا عبداللطيف، ويا ليتك بيننا اليوم.. ليس لشيء، لترى أبناءنا وهم يبحثون عنك في أروقة مدارسهم، فما زال ذكراك يبعث الأمل كلما مسكوا القلم، يبحثون عن معادلات لا تتغير، تماما كما هي أصالتك لا تتغير.
رحيلك سيبقى ذخرا لكَ يا معلمي، فقد قدمت الشيء الكثير، ولم أعهدك عليك يوما تتأخر عن الدوام، وعلى الدوام سنبقى نتذكرك ونذكرك.. ونتمنى أن يكون الكثيرون من معلمينا على منوالك يسيرون.
وتتعلق الذكريات وما أشبه الماضي بالحاضر، فقد عرفَ أمير المؤمنين أنّ بين الركبِ المعلم ابنُ مسعود، ذلك أنهم تعلموا من معلمٍ أفنى حياته للتعليم.. ولكن، أين نحن من ابن مسعود؟.
agaweed2007@yahoo.com
أيها المعلمون.. فيكم أستاذي عبداللطيف
11:00 9-9-2019
آخر تعديل :
الاثنين