في كتابه المميز «الديمقراطية في اميركا» حذر المفكر اليكسس دي تو تفيل من امكانية انحدارها نحو ما اسماه «استبداد الجماهير» وذلك بسبب سهولة انقياد الجماهير خلف شعارات او افكار براقة او خلف قيادة كارزماتية تستهوي وتسيطر على مخيلتها.
وهو امر لا شك زاد في حدته استفحال وسائل الاتصال والدعاية الحديثة التي مهد لها النظام الرأسمالي الذي يمكن وصفه بالمتوحش نظرا لسوء توزيع الثروة حيث يمتلك الواحد بالمائة من السكان ما قيمته 99% من ثروة البلاد.
كلمة الديمقراطية بأصولها اليونانية تعنى حكم الشعب: ديمو الشعب (Demo) كراتيا حكم (governance) ومن اهم ركائزها الفلسفية والفكرية والبراغماتية او العملية حيث الحل هو ما يصلح او ما يمكن الاتفاق عليه لا المثالي ولا حتى الافضل التي يمكن التوصل اليه من خلال المقايضة والمساومة بين الاطراف.
وقد مهدت المساواة التامة للبشر امام القانون وسياسيا من خلال الصوت الانتخابي الى استفحال الرأسمالية التي كانت ترتكز بدورها الى الفكر الدارويني الاجتماعي ونظرية التنافس لا التعاون وان البقاء للاصلح حيث العدل الحقيقي هو بقاء الاصلح.
مجتمع مفتوح كهذا لا سياسيا وحسب، بل واقتصاديا كذلك لا بد وان يفسح المجال لاستغلاله من القادر على ذلك وبحيث اصبح رأس المال السياسي قادرا على السيطرة على وسائل الاعلام الحديثة وتمكين القادر على التلاعب بعواطف الجماهير، «الشاطر الفهلوي» لا المفكر الرصين ولا الفيلسوف او القيادة الحكيمة، من الظهور واستلام ارقى المناصب في الدولة. وهنا لا بد من الاشارة الى ان الشطارة والقدرة على الحيلة والتحايل لا تعني بالضرورة لا الكفاءة ولا الذكاء ولا القدرة على القيادة. كل هذا لا يعني عدم امكانية مجتمع كهذا من افراز قيادات فذة وقادرة متى قامت الحاجة وتاريخ اميركا يشهد لبعض من رؤسائها الخمسة والاربعين يشهد بذلك كواشنطن ولنكولن وايزنهاور وغيرهم ولكن لا بد من الاعتراف ان الغالبية العظمى منهم جاءوا وذهبوا دون ان يترك احد منهم اثرا: من فئة المتوسط او حتى احيانا دون ذلك.
يضع الدستور الاميركي شروطا ثلاثة فقط لمن يرغب في الترشح لمنصب الرئاسة وهي ان يكون من مواليد البلاد وفوق سن الخامسة والثلاثين ومقيما في البلاد لمدة اربعة عشر عاما، وفي مجتمع يعتقد الكل فيه انه مساو للكل يسهل الامر لمن يمتلك المال وبعض النفوذ ان يرشح نفسه لهذا المنصب الرفيع.
الرئيس الحالي دونالد ترمب لم يهبط عليها من السماء ولا تم استيراده للبلاد من الخارج، او من الفضاء الخارجي وانما هو وليد ونتاج هذا المجتمع القادر على فرز الصالح احيانا وغير ذلك احيانا اخرى ومن هم من طبقة المتوسط او دونها او ما يسمى بالمديوكر (Mediocre)باللغة الانجليزية واذا ما كان هناك من فضيلة لهذا النظام تميزه عن الانظمة السياسية في بلدان العالم اجمع فهو امكانية استبداله بيسر بعد فترة او فترتين من الحكم عكس ما يحدث في معظم بلدان العالم الثالث وما يتعرض له بعضها من استبداد وقهر والاستفراد بالسلطة.
كل هذا يثير التساؤل الفلسفي التاريخي مرة اخرى ومن اين؟ وكيف؟ وما هي مصادر السلطة وقيادتها؟ ومن اين تأتيها الشرعية؟ سؤال طرحه فلاسفة بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة والفكر الاغريقي واليهودي والمسيحي والاسلامي ولا رد معقول عليه حتى اليوم، حتى «المعلم الاول» ارسطو طاليس كما لقبه فلاسفة العرب، لم يتمكن من الإجابة عليه كما لم يتمكن على ذلك حتى استاذة افلاطون الذي بعد تضييعه للدول والانظمة المعمول به حتى اليوم سرح بمخيلته الى الامثل الامثل، حكم الفلاسفة وهي تجربة لا اعتقد ان اي مجتمع بالتاريخ تمكن من التمتع بها.
ولكن، وعلى علاتها تبقى الديمقراطية بأشكالها المختلفة الارحم اذ تتضمن في ثناياها بصيص امل وتمكن الانسان العادي، ولو نظريا احيانا، ان له دور في ادارة حياته وحياة مجتمعه عكس النظام الاستبدادي وقسوته الجسدية وحقده الفكري الاستعلائي الذي يهمش الانسان الى العدم.
وهنا لابد من الاشارة الى امرين هامين: الاول ان الفكر السياسي عكس معظم العلوم الاخرى لم يتطور كثيرا منذ القرن الخامس قبل الميلاد لا في بلاد العرب ولا في الصين او الهند او الفكر الغربي بجذوره الاغريقية. اما الامر الاخر فهو الخطورة الناجمة عن هذا التخشب اذ بيد قادرة بعض دول اليوم امكانية القضاء على الحياة كما نعرفها وهو امر بيد ترمب وبوتين وآخرين وهو امر لم تعرفه البشرية من قبل والبحث عن فكر سياسي جديد والاجتهاد في هذا الامر على غاية من الاهمية كأن يتم اختيار مجموعة من الحكماء في المجتمع الديمقراطي تسمح فقط لبعض ممن تتوفر فيهم صفات قيادية معينة الترشح لمنصب رئاسة الدولة.
على الرغم من امكانية سوء استغلاله لصالح فرد او مجموعة قادرة يبقى النظام الديمقراطي الافضل ولكن تبقى هناك ضرورة قصوى للبحث عن ضوابط تمنع استغلاله وسوء استعماله وهو الذي اوصل حتى ادولف هتلر لجنون عظمته وعنصريته الحاقدة الى سدة الحكم. وعلى قادة الفكر وحكماء الحاضر والمستقبل البدء بالبحث فورا عن معادلة تضمن استمرار الديمقراطية وازدهارها من جهة ولكن يضع القيود والضوابط لعدم السماح بامكانية مأفون او صاحب حمق او نزوة القضاء على الحياة كما نعرفها.
نظرية الحكم الديمقراطي وترمب
11:00 24-3-2019
آخر تعديل :
الأحد