استدامة الضمان الاجتماعي.. أين المعركة ؟

تاريخ النشر : الاثنين 11:36 15-6-2026
د. يوسف منصور

يثير مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي في الأردن نقاشاً واسعاً بين مؤيد يرى فيه ضرورة لحماية استدامة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، ومعارض يخشى أن يكون على حساب حقوق المشتركين والمتقاعدين. وبين هذين الرأيين يغيب أحياناً السؤال الأهم: كيف نضمن أن يبقى الضمان الاجتماعي قادراً على الوفاء بالتزاماته بعد عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً؟

هذا السؤال لا يواجه الأردن وحده، بل يواجه معظم دول العالم. ففي أوروبا واليابان وكندا والولايات المتحدة تتعرض أنظمة التقاعد لضغوط متزايدة بسبب الشيخوخة السكانية وارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض معدلات الإنجاب. فالأفراد يعيشون اليوم لفترات أطول بكثير مما كان متوقعاً عندما صُممت معظم أنظمة التقاعد قبل عقود، بينما يتراجع عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل مقارنة بعدد المتقاعدين.

ولذلك اتجهت معظم الدول المتقدمة خلال العقود الماضية إلى رفع سن التقاعد، وتشديد شروط التقاعد المبكر، وزيادة سنوات الاشتراك المطلوبة للحصول على راتب التقاعد. ولم يكن الهدف من هذه الإجراءات تقليص حقوق المواطنين، بل الحفاظ على قدرة الأنظمة التقاعدية على الاستمرار.

لكن حالة الأردن تختلف جزئياً عن الدول المتقدمة، ففي حين تمثل الشيخوخة السكانية التحدي الأكبر في أوروبا واليابان، فإن التحدي الأكبر في الأردن ما يزال يتمثل في انخفاض المشاركة الاقتصادية وارتفاع البطالة وضعف مشاركة المرأة في سوق العمل واتساع الاقتصاد غير المنظم.

ولفهم طبيعة التحدي لا بد من التمييز بين مفهومين أساسيين في علم التقاعد والتأمينات الاجتماعية: نقطتي التعادل (الأولى والثانية) والمركز المالي الأساسي.

تتحقق نقطة التعادل الأولى عندما تصبح الاشتراكات المحصلة مساوية للمنافع التقاعدية المدفوعة. بعد هذه المرحلة تبدأ المؤسسة بالاعتماد على عوائد استثماراتها لتغطية الفرق بين الإيرادات والنفقات. أما نقطة التعادل الثانية فتتحقق عندما تصبح الاشتراكات مضافاً إليها عوائد الاستثمار مساوية للمنافع التأمينية. وبعد هذه المرحلة يبدأ الصندوق باستخدام جزء من احتياطياته المتراكمة.

أما المؤشر الأكثر أهمية فهو المركز المالي الأساسي، أي الفرق بين الاشتراكات والمنافع التأمينية. فإذا أصبحت المنافع المدفوعة أكبر من الاشتراكات المحصلة يصبح المركز المالي الأساسي سالباً، حتى لو كانت المؤسسة تحقق أرباحاً استثمارية كبيرة. ولهذا السبب ينظر الخبراء الاكتواريون إلى المركز المالي الأساسي باعتباره المؤشر الحقيقي على سلامة النظام التقاعدي على المدى الطويل.

وتتمتع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بأصول واستثمارات ضخمة تشكل أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي والمالي في المملكة. لكن الدراسات الاكتوارية تشير إلى أن استمرار الاتجاهات الحالية سيؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع المركز المالي الأساسي وظهور ضغوط متزايدة على النظام نتيجة التقاعد المبكر وارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد أعداد المتقاعدين.

ومن هنا جاءت التعديلات الحكومية المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي. وتتمثل أبرز هذه التعديلات في رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجياً للذكور من 60 عاماً إلى 65 عاماً، وللإناث من 55 عاماً إلى 60 عاماً، بحيث يتم التطبيق بصورة تدريجية وعلى مدى سنوات طويلة. كما تتضمن التعديلات رفع الحد الأدنى لفترة الاشتراك اللازمة لاستحقاق راتب التقاعد من 180 اشتراكاً إلى 240 اشتراكاً، أي من 15 سنة إلى 20 سنة.

وتشمل التعديلات أيضاً إعادة تنظيم التقاعد المبكر الذي يشكل أحد أكبر مصادر الضغط المالي على النظام. فالمقترحات تتجه إلى زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر، ورفع مدة الخدمة الفعلية اللازمة للاستفادة منه، وتشديد التخفيضات الاكتوارية المطبقة على من يختار الخروج من سوق العمل قبل السن القانونية.

كما تتضمن التعديلات إعادة النظر في آلية احتساب الراتب التقاعدي بحيث يعتمد على متوسط الأجر لفترة أطول قبل التقاعد، بدلاً من الاعتماد على السنوات الأخيرة فقط، وذلك للحد من الممارسات التي تؤدي إلى رفع الأجر بشكل استثنائي قبيل التقاعد للحصول على راتب تقاعدي أعلى من المستوى الذي تعكسه الاشتراكات الفعلية المدفوعة خلال سنوات العمل. وتشمل المقترحات أيضاً توسيع الشمول التأميني لبعض الفئات غير المغطاة حالياً، وإيجاد صيغ أكثر مرونة للعاملين في أنماط العمل الحديثة.

اكتوارياً، يعتبر الاتجاه العام لهذه التعديلات صحيحاً ومبرراً. فرفع سن التقاعد يعكس التحسن المستمر في متوسط العمر المتوقع، وتشديد شروط التقاعد المبكر يعالج أحد أهم مصادر الاختلال المالي المستقبلي، كما أن تعديل أسس احتساب الرواتب التقاعدية يرفع مستوى العدالة والاستدامة في النظام.

لكن المشكلة أن معظم النقاش العام انحصر في كيفية خفض النفقات وتأجيل التقاعد، بينما لم يحظ جانب الإيرادات بالاهتمام الكافي، رغم أنه قد يكون العامل الأكثر أهمية في استدامة الضمان الاجتماعي الأردني خلال العقود المقبلة.

فالحقيقة أن الضمان الاجتماعي لا يعيش على تخفيض المنافع بقدر ما يعيش على زيادة عدد المشتركين. وكل مشترك جديد يدخل إلى سوق العمل الرسمي يمثل إيراداً إضافياً للمؤسسة اليوم ومصدراً للاستدامة غداً.

وهنا تبرز القضية الأكثر أهمية في الحالة الأردنية. فبينما تخشى الدول الأوروبية من ارتفاع أعداد كبار السن، يجب على الأردن أن يقلق أكثر من انخفاض عدد العاملين. فأكبر تهديد لاستدامة الضمان الاجتماعي في الأردن خلال العقدين المقبلين ليس الشيخوخة السكانية، بل انخفاض المشاركة الاقتصادية.

فالشيخوخة السكانية تزيد عدد المستفيدين من النظام، أما انخفاض المشاركة الاقتصادية فيقلل عدد الممولين له. وإذا كان لكل متقاعد ثلاثة أو أربعة عاملين يدفعون الاشتراكات فإن النظام يبقى مستقراً، أما إذا انخفض عدد العاملين والمشتركين فإن الضغوط المالية تبدأ بالظهور حتى في مجتمع ما يزال شاباً ديموغرافياً.

إن نظاماً تقاعدياً يموله مليون عامل سيكون أكثر استدامة من نظام يموله نصف مليون عامل، حتى لو كان عدد المتقاعدين متشابهاً. ولذلك فإن المعركة الحقيقية لاستدامة الضمان الاجتماعي لا تبدأ من سن التقاعد، بل تبدأ من سوق العمل. ولهذا السبب يجب أن تتضمن أي رؤية إصلاحية شاملة للضمان الاجتماعي حزمة إصلاحات متكاملة على جانب الإيرادات لا تقل أهمية عن الإصلاحات المتعلقة بالنفقات.

أولاً، يجب رفع معدل المشاركة الاقتصادية. فكل نقطة مئوية إضافية في المشاركة الاقتصادية تعني آلاف المشتركين الجدد وملايين الدنانير من الاشتراكات الإضافية سنوياً. ثانياً، يجب رفع مستوى مشاركة المرأة في سوق العمل فرفع مشاركة النساء إلى مستويات أقرب للمعايير الدولية سيضيف عشرات الآلاف من المشتركين الجدد إلى الضمان الاجتماعي ويرفع الإيرادات بصورة مستدامة لعقود طويلة. ثالثاً، يجب أن يصبح تشغيل الشباب أولوية اقتصادية وطنية. فكل شاب يدخل سوق العمل الرسمي اليوم لا يمثل مجرد فرصة عمل جديدة، بل يمثل ممولاً جديداً للنظام التقاعدي لمدة قد تصل إلى أربعين عاماً. رابعاً، لا بد من دمج الاقتصاد غير المنظم ضمن المظلة التأمينية. خامساً، ينبغي ربط جزء من الحوافز الاستثمارية والضريبية بخلق فرص العمل الرسمية المشمولة بالضمان الاجتماعي، بحيث يصبح التوظيف الرسمي أحد أهداف السياسة الاقتصادية والاستثمارية. سادساً، يمكن تطوير برامج اشتراك مرنة للعاملين لحسابهم الخاص وللعاملين عبر المنصات الرقمية وللأردنيين العاملين في الخارج لتوسيع قاعدة المساهمين ورفع الإيرادات. سابعاً، ينبغي إعادة النظر في الحوافز الممنوحة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بحيث تشجع الانتقال من العمل غير المنظم إلى العمل المنظم. كما أن تحسين إنتاجية الاقتصاد يمثل جزءاً أساسياً من الحل. فكلما ارتفعت إنتاجية العامل الأردني وارتفعت الأجور الحقيقية ازدادت الاشتراكات التأمينية وتحسن المركز المالي الأساسي للمؤسسة. ولذلك فإن سياسات الاستثمار والتعليم والتدريب والتكنولوجيا ليست منفصلة عن مستقبل الضمان الاجتماعي، بل هي جزء أساسي من استدامته.

تؤكد التجارب الدولية الناجحة أن أنظمة التقاعد الأكثر استدامة ليست تلك التي تعتمد فقط على رفع سن التقاعد أو تخفيض المنافع، بل تلك التي تنجح في توسيع قاعدة المشتركين ورفع الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي. فالإصلاح الحقيقي يكون عندما نتيح لعدد أكبر منهم فرصة العمل أساساً. ولهذا فإن مستقبل الضمان الاجتماعي في الأردن لن يحدده عدد المتقاعدين بقدر ما سيحدده عدد العاملين.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }