صباح الخير، صحوت على دفء الشمس ورائحة الربيع الذي يفتح الشهية للكتابة، وأرى أنه من الضروري أن اكتب عن الربيع في هذا الوقت..
كتب الشعراء أجمل القصائد في وصف الربيع لاعتقادهم أن الحياة في هذا الفصل حسب قوانين الطبيعة، وكما يروي الموروث الشعبي والتاريخي عند الشعوب والطوائف، الا أن الشاعر الراحل محمود درويش انحاز لفصل الخريف حين كتب :«قال صديقي أنه يفضّل الربيع.
قلت انني افضّل شجر الخريف حيث يقع اللون على الارض، ويأخذنا الحنين الى ما مضى، والى ما سيمضي، واتفقنا على مزايا الخريف».
اليوم، الدنيا ربيع، وكل شعب وطائفة اختار رزنامته الخاصة بالاحتفال، حسب معتقداته المبنية على التراث والموروث، أو الاسطورة، ولكن لم يعد الاحتفال بالربيع يحمل معناه الطافح بطقوس الفرح والبهجة، بعدما فقد فصل الزهور براءته ودخل الى مستنقع السياسة ودهاليزها، حتى غرق في الدماء التي اكتسبت لون الدحنون وشقائق النعمان وأخذتنا الى آخر الجرح.
بعض الاصدقاء لديه حساسية من غبار الربيع ورائحة الورود والزهور، ويعاني من «رشح مزمن» أو التهاب في العينين، ولكن اليوم، الامة العربية كلها تعاني من «ربيع» لأنه لا يرمز لتجدد الحياة، بل يرمز الى بداية الخراب والتدمير والفوضى، وكل الويلات التي حملها المشروع الاميركي الساعي لقيام الشرق الاوسط الجديد.
هنا من الواجب الفصل بين البدايات وانطلاق الحراك الشعبي المطالب بالاصلاح السياسي والاقتصادي والحياة الكريمة وبين تحويل الحراك الى فصائل مسلحة تمارس التخريب والتدمير والفوضى، لأن لا أحد يسمح بوجود مسلحين في بلاده، يتحركون بحرية في الشوارع والميادين ويهددون أمن البلاد والعباد.
من حسن حظ الجميع أن هذه الموجة «الربيعية» انكسرت في سوريا، بعدما نجحت في تخريب وتفكيك النظام السياسي والهيكل الاقتصادي لدول شقيقة، لم تكن البدائل فيها افضل. نعم، لقد سقط المشروع الاميركي الغربي في سوريا بفضل تماسك مؤسسات الدولة وصمود الشعب والجيش، وظلت سوريا موحدة ارضا وشعبا، وهو الصمود الذي يحاكي ثبات شعبنا في الداخل الفلسطيني المحتل، ويلتقي مع الثوابت الاردنية في رفض واسقاط المشروع الأميركي الأشمل والأخطر «صفقة القرن» الهادف الى تصفية قضية الشعب الفلسطيني، وتهديد المصالح الاردنية العليا.
اليوم، ومع اطلالة الربيع، نخشى على الجزائر من ربيعها الذي وصل متأخرا. نخشى عليها من المتربصين المتأهبين لاختطاف الحراك الشعبي باستخدام المقدس والشعارات الاصلاحية، ولكننا نراهن على وعي الشعب وقدرة النظام على انقاذ بلد المليون شهيد من الفوضى، وبالتالي حل المشكلة سياسيا عبر الحوار العقلاني والاحتكام الى صناديق الاقتراع وانقاذ الجزائر.