ليست كل الهزائم الرياضية، وبخاصة في كرة القدم، هذه اللعبة الأكثر شعبية حول العالم، تُقاس بعدد الأهداف، وليست كل الانتصارات تُكتب على لوحة النتائج، فهناك مباريات تنتهي بصافرة الحكم، لكنها تبدأ بعد ذلك في ذاكرة الجماهير، حيث تتحول إلى رواية يتناقلها الناس، لا لأنها غيّرت ترتيب بطولة، بل لأنها هزّت إيمانهم بعدالة اللعبة.
هكذا استقبل ملايين العرب والمسلمين خروج منتخب مصر، فلم يكن المشهد بالنسبة إليهم مجرد خسارة لفريق عربي أمام منتخب عريق، بل كان اختبارًا لقناعة طالما تغنت بها كرة القدم: أن الجميع متساوون عندما تنطلق صافرة البداية، وأن اسم اللاعب لا يسبق القانون، ولا تسبقه العدالة.
لكن ما جرى داخل الملعب، وما أحاط بالمباراة من جدل وتحليلات وانطباعات، دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن المواجهة لم تكن، في نظرهم، مباراة عادية بين أحد عشر لاعبًا في مواجهة أحد عشر لاعبًا، بل كانت مواجهة بين منتخب يسعى لكتابة إنجاز تاريخي، ومنظومة عالمية كانت تترقب استمرار الرواية الأكثر جاذبية على المستوى الإعلامي والتسويقي.
في عصر تحولت فيه كرة القدم إلى صناعة تدر مليارات الدولارات، لم يعد اللاعب مجرد رياضي، بل أصبح علامة تجارية عالمية، وأصبحت البطولات نفسها تستفيد من حضور النجوم الذين يجذبون الجماهير والشاشات والرعاة. ومن الطبيعي أن يطرح هذا الواقع أسئلة لدى المشجعين، وتحديدًا نحن العرب، عندما يشعرون بأن بعض التفاصيل داخل الملعب لا تنسجم، في نظرهم، مع مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة. ومع أن ذلك لا يعني الجزم بوجود تلاعب أو مؤامرة، فإنه يفسر لنا لماذا انتشر بين قطاع واسع من الجماهير العربية الإحساس بأن العدالة لم تكن كاملة في تلك المباراة، وأن مصر لم تكن تواجه منتخبًا فقط، بل كانت تواجه منظومة إعلامية واقتصادية يصعب تجاهل أثرها. وربما لهذا السبب لم نتحدث كثيرًا عن المهارات الفردية أو الخطط التكتيكية بعد المباراة، بل انشغلنا بالسؤال الذي يؤرق كل عاشق لكرة القدم: هل بقيت اللعبة وفية لروحها الأولى، أم أن بريق النجوم أصبح، في نظر كثيرين، يطغى أحيانًا على برودة القانون؟
ورغم مرارة الخروج، خرج منتخب مصر أكثر حضورًا في الوجدان العربي، فقد لعب بروح المقاتل، وقدم نموذجًا في الصمود والانضباط، وأعاد التذكير بأن المنتخبات العربية قادرة على الوقوف ندًا أمام أكبر مدارس الكرة في العالم. وربما لهذا السبب لم يشعر كثيرون بأن مصر هي التي خسرت، بل شعروا بأن شيئًا من ثقتهم المطلقة بعدالة كرة القدم قد اهتز.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي رياضة ليس الخطأ التحكيمي، فالأخطاء جزء من اللعبة، بل أن يتسلل إلى وعي الجماهير شعورها بأن شهرة الأسماء، وسطوة الإعلام، وضخامة المصالح، قد تكون أقوى من مبدأ المساواة الذي قامت عليه الرياضة.
ولهذا، ستبقى تلك المباراة حاضرة في الذاكرة العربية، لا لأنها منحت المجد لطرف، بل لأنها فتحت بابًا واسعًا للأسئلة. والأسئلة، في كثير من الأحيان، تعيش أطول من النتائج، وتبقى أكثر تأثيرًا من الكؤوس.
فكرة العدالة هي البطولة الحقيقية التي يجب أن تنتصر في كل أنواع الرياضة، وليست كرة القدم فقط. فإذا خرج الجمهور مقتنعًا بأن المنافسة كانت نزيهة، فإنه يصفق للفائز مهما كان اسمه، أما إذا غادر وهو يحمل في قلبه شكوكًا وأسئلة، فإن الخاسر لا يكون منتخبًا بعينه، بل اللعبة نفسها.