قرارات اقتصادية بالاتجاه الصحيح

تاريخ النشر : الاثنين 11:54 3-8-2026
د. رعد محمود التل

لا تقاس جودة السياسات الاقتصادية بحجم الإنفاق الحكومي أو عدد الحوافز المعلنة، وإنما بقدرتها على توجيه الاستثمار نحو الأنشطة الأكثر إنتاجية والمناطق الأكثر احتياجًا للتنمية، بما ينعكس على النمو والتشغيل ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، جاءت قرارات مجلس الوزراء الأخيرة المتعلقة بمنح مدينة الروضة الصناعية في منطقة معان التنموية حزمة من الحوافز الاستثمارية، إلى جانب تمديد الحوافز في المدن الصناعية في مادبا والطفيلة والسلط، بهدف معالجة الاختلالات التنموية، وتعزيز الإنتاج، وتحويل المحافظات إلى مراكز جذب استثماري حقيقية.

وينسجم هذا التوجه مع أحد أهم مبادئ الاقتصاد التنموي، وهو أن التنمية لا تتحقق من خلال تركز النشاط الاقتصادي في العاصمة، وإنما عبر توزيع الفرص الاستثمارية على المحافظات، بما يخلق مراكز إنتاج جديدة ويحد من الفجوة التنموية بين الأقاليم. فالمحافظات تمتلك موارد وأراضي وفرصًا استثمارية، لكنها تحتاج إلى تقليل كلفة الاستثمار الأولية حتى تصبح قادرة على منافسة المناطق الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال.

ومن أبرز ما يميز هذه الحزمة أنها استهدفت عناصر الكلفة التي تؤثر مباشرة في قرار المستثمر. فتخفيض أسعار الكهرباء خلال السنوات الأولى من عمر المشروع يعد من أكثر الحوافز تأثيرًا، لأن الطاقة تمثل نسبة مرتفعة من تكاليف الإنتاج في العديد من الصناعات. وعندما تنخفض هذه الكلفة، تتحسن ربحية المشروع، وترتفع قدرته على الاستمرار والتوسع، وهو ما ينعكس لاحقًا على زيادة الإنتاج والصادرات.

كما أن تخفيض أسعار الأراضي الصناعية إلى النصف تقريبًا يمثل حافزًا استثماريًا حقيقيًا، إذ إن تكلفة الأرض تشكل جزءًا مهمًا من الاستثمار الأولي. وكلما انخفضت هذه الكلفة، ارتفعت الجدوى الاقتصادية للمشروع، وأصبح المستثمر أكثر استعدادًا لتوجيه أمواله نحو الإنتاج بدلاً من توظيفها في أنشطة أقل قيمة مضافة.

ومن منظور اقتصادي، لا ينبغي النظر إلى هذه الحوافز باعتبارها تكلفة تتحملها الدولة، بل باعتبارها استثمارًا عامًا يستهدف تحقيق عوائد مستقبلية. فالتنازل المؤقت عن جزء من الإيرادات أو تخفيض بعض الكلف قد يقابله لاحقًا توسع في الإنتاج، وزيادة في الصادرات، وارتفاع في فرص العمل، واتساع في القاعدة الضريبية. وبعبارة أخرى، فإن نجاح هذه الحوافز لا يقاس بقيمتها المالية المباشرة، وإنما بقدرتها على توليد قيمة مضافة للاقتصاد الوطني تفوق كلفتها، وهي الفلسفة التي تقوم عليها سياسات التحفيز الصناعي في العديد من الاقتصادات الناجحة.

ولا يقل أهمية عن ذلك دعم تشغيل العمالة المحلية، وتحمل الحكومة جزءًا من الرواتب أو اشتراكات الضمان الاجتماعي وبدل المواصلات. فهذه السياسة تحقق هدفين في آن واحد؛ الأول تخفيض كلفة التشغيل على المستثمر، والثاني زيادة فرص تشغيل أبناء وبنات محافظة معان، بما يعزز الدخول المحلية ويحرك الطلب الداخلي ويولد ما يعرف في الاقتصاد بـ"الأثر المضاعف"، حيث تمتد فوائد الاستثمار إلى قطاعات التجارة والخدمات والنقل والإسكان.

كما أن دعم تكلفة مناولة الحاويات في ميناء العقبة يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تنافسية الصناعة لا تتوقف عند بوابة المصنع، بل تمتد إلى سلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية. فكل انخفاض في تكاليف التصدير ينعكس على قدرة المنتج الأردني في المنافسة داخل الأسواق الإقليمية والعالمية، ويعزز مساهمة الصادرات الصناعية في النمو الاقتصادي.

ومن الجوانب الإيجابية أيضًا أن الحكومة لم تقتصر على إطلاق حوافز جديدة، بل قررت تمديد الحوافز في المدن الصناعية بمادبا والطفيلة والسلط، وهو ما يعزز استقرار السياسات الاقتصادية، ويبعث برسالة طمأنينة للمستثمرين بأن الحوافز ليست مؤقتة أو مرتبطة بظروف آنية، وإنما جزء من سياسة صناعية مستمرة تستهدف بناء قاعدة إنتاجية أقوى.

ويبقى نجاح هذه القرارات مرهونًا بسرعة تنفيذها، واستقرارها، وقياس نتائجها من خلال مؤشرات أداء واضحة، مثل حجم الاستثمارات الجديدة، وعدد المصانع التي دخلت مرحلة الإنتاج، ونمو الصادرات الصناعية، والوظائف المستحدثة في المحافظات. فالسياسات الاقتصادية لا تقاس بحسن النوايا، وإنما بما تحققه من نتائج ملموسة على أرض الواقع. وإذا ما اقترنت هذه الحوافز بتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية، فإنها ستشكل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد أردني أكثر إنتاجية، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.

إن الاقتصاد الأردني بحاجة اليوم إلى قرارات ترفع الإنتاجية أكثر مما ترفع الإنفاق، وتستقطب الاستثمار أكثر مما تعتمد على الدعم، وتخلق فرص العمل أكثر مما تقدم المعونات. والقرارات الأخيرة تمثل خطوة عملية في هذا الاتجاه، لأنها تراهن على الصناعة باعتبارها المحرك الأكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام، وتعزيز الصادرات، وتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات، وهي أهداف تشكل أساس الاقتصاد الذي تطمح إليه رؤية التحديث الاقتصادي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }