أسفرت زيارة الوفد الوزاري الاقتصادي الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن التوقيع على اتفاقية قرض جديدة مع البنك الدولي ستقترض الحكومة الأردنية بموجبها أكثر من مليار دولار بشروط فائدة ميسرة، وذلك ضمن الخطة التمويلية لعام 2019 ولتسديد أقساط القروض المستحقة والمقترضة مسبقا.
إن التساؤل الأبرز المتعلق بهذا الإجراء الحكومي يتمثل في مدى الحاجة لعرض هذه الاتفاقية على مجلس النواب للتصديق عليها بقانون عملا بأحكام المادة (33/2) من الدستور، والتي تقضي بالقول أن اﻻتفاقيات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات أو تمس حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة.
إن اتفاقية القرض المبرمة لا يتوجب دستوريا عرضها على مجلس النواب للموافقة عليها، ذلك على الرغم من أنها تتوافق مع المعيار الموضوعي الذي حدده المشرع الدستوري في المادة (33/2) من الدستور في الاتفاقيات التي يجب موافقة مجلس النواب عليها. وهذا المعيار الدستوري هو ضرورة عرض كل اتفاق دولي يتضمن المساس بحقوق الأردنيين العامة أو الخاصة أو تحميل خزينة الدولة شيئا من النفقات، وهما العنصران المتحققان في اتفاقية القرض مع البنك الدولي.
أما المبرر الدستوري لعدم عرض اتفاقية القرض على مجلس النواب فيتمثل في القرار التفسيري الذي أصدره المجلس العالي لتفسير الدستور رقم (1) لسنة 1962، والذي تصدى فيه لتفسير المقصود بالاتفاقيات الدولية لغايات العرض على مجلس النواب من عدمه. فقد أفتى المجلس العالي في ذلك الوقت بالقول أن «الاتفاقيات المعنية في المادة (33/2) من الدستور هي الاتفاقيات التي يكون طرفاها دولتين أو أكثر وتتعلق بغير الشؤون السياسية».
إن هذا القرار التفسيري الذي يعد جزءا من النص الدستوري المفَسر قد ضيق من نطاق الاتفاقيات الدولية لغايات العرض على مجلس الأمة بأن اشترط أن تكون الاتفاقية موقعة بين دولتين. بالتالي، فإن ما تبرمه الحكومة الأردنية من اتفاقيات مع أشخاص طبيعيين أو معنويين كالبنوك والشركات لا تكون مشمولة بحكم هذه المادة، ولا يحتاج نفاذها إلى موافقة مجلس الأمة حتى ولو كانت تحمل خزانة الدولة شيئا من النفقات أو تمس بحقوق الأردنيين العامة أو الخاصة.
إن هذا الموقف المتشدد الذي تبناه المجلس العالي لتفسير الدستور في قراره الصادر عنه في عام 1962 قد أخرج من رقابة مجلس النواب العديد من الاتفاقيات الدولية، وآخرها اتفاقية القرض مع البنك الدولي، بحجة أن أطرافها الموقعين عليها ليسوا دولا، ذلك دون الاعتداد بمضمون الاتفاقية الدولية وتبعاتها على خزينة الدولة وحقوق الأردنيين. وهذا التفسير يشكل انتقاصا من أركان النظام النيابي البرلماني الكامل القائم على أساس منح ممثلي الشعب سلطات وصلاحيات فعلية وحقيقية تمتد لتشمل الرقابة على اتفاقيات القروض الدولية. لذا، فثمة حاجة ماسة إلى إعادة النظر في أحكام الاتفاقيات الدولية في الدستور الأردني لصالح توسيع نطاق رقابة مجلس النواب على ما تبرمه السلطة التنفيذية من اتفاقيات، وفي مقدمتها اتفاقيات القروض، وذلك إما بإضافة نص صريح بذلك إلى الدستور، أو بإعادة تفسير المادة (33/2) من قبل المحكمة الدستورية الأردنية.
أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق/ الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
قرض البنك الدولي والدستور الأردني
11:00 26-1-2019
آخر تعديل :
السبت