سبق الإشارة في مقال سابق بتاريخ 20/1/2019 بأن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 لا قيمة دستورية له في النظام القانوني الأردني، ذلك على اعتبار أنه لم يتم عرضه على مجلس الأمة للتصديق عليه عملا بأحكام المادة (33/2) من الدستور. فهذا العهد يرقى إلى مستوى الاتفاقية الدولية التي تمس حقوق الأردنيين العامة والخاصة، بالتالي فإنه يشترط دستوريا لنفاذه موافقة مجلس الأمة عليه من خلال إصدار قانون تصديق خاص عن السلطة التشريعية.
وقد وردتني بعض التعليقات الكريمة على هذا القول مفادها أن محكمة التمييز الأردنية قد استقر اجتهادها على تفسير المادة (33/2) من الدستور فيما يتعلق بالمساس بحقوق الأردنيين العامة والخاصة بأن المساس المقصود به لغايات تطبيق النص الدستوري هو المساس السلبي فقط بالحقوق والحريات دون المساس الايجابي، حيث أنه لا يشترط في الاتفاقية الدولية التي تتضمن مساسا ايجابيا بحقوق الأردنيين العامة والخاصة عرضها على مجلس الأمة للموافقة عليها بقانون.
ومع خالص احترامنا وتقديرنا لمحكمة التمييز الأردنية، إلا أن ما قضت به المحكمة الموقرة في قراراتها ذات الصلة بتفسير المادة (33/2) من الدستور لا ينطوي على توضيح قاطع للمقصود بالمساس السلبي وما يميزه عن المساس الايجابي لغايات العرض على مجلس الأمة من عدمه. فمن خلال استعراض أسلوب صياغة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية نجد بأنه يتضمن في القسم الأول منه تكريسا للعديد من الحقوق الفردية والجماعية بشكل يمكن وصفه بأنه مساس ايجابي بهذه الحقوق. إلا أن القسم الثاني منه قد تضمن فرض مجموعة من القيود والالتزامات على عاتق الدول الأعضاء في مواجهة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، والمتمثلة بنظام التقارير الدورية التي تلتزم الدول بتقديمها إلى اللجنة الدولية وذلك كمظهر من مظاهر المساس السلبي بالحقوق والحريات.
كما أن العهد الدولي الخاص في القسم الأول منه المتعلق بتكريس الحقوق والحريات قد تضمن مساسا سلبيا بتلك الحقوق، وذلك من خلال السماح بفرض قيود وضوابط على ممارسة الأفراد للعديد من الحقوق الواردة فيه شريطة أن يرد القيد بنص صريح في القانون، وأن يكون ضروريا لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم. كما أجاز العهد الدولي تقييد ممارسة الحقوق والحريات الواردة فيه في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة وذلك عملا بأحكام المادة (4) منه.
إن ما يؤكد اختلافنا مع اجتهاد محكمة التمييز الأردنية أن العديد من الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها الحكومة الأردنية قد جرى التصديق عليها بقانون عملا بأحكام المادة (33/2) من الدستور، ومثالها قانون التصديق على اتفاقية حقوق الطفل لسنة 2006، ذلك على الرغم من انطواء الاتفاقية على مساس ايجابي بالحقوق والحريات كما قضت بذلك محكمة التمييز الموقرة.
ويبقى التساؤل الأبرز حول الجهة التي يمكن الطعن أمامها بعدم دستورية هذا العهد، فالمحكمة الدستورية الأردنية صاحبة الاختصاص الأصيل في الرقابة على الدستورية قد حصر المشرع الدستوري اختصاصاتها في المادة (59) بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وأن محاكم الموضوع لم تعد تملك تفعيل رقابة الامتناع كالسابق في ظل إنشاء رقابة الإلغاء في الأردن. لذا، فثمة حاجة ماسة لتوسيع اختصاصات المحكمة الدستورية الأردنية لتشمل الرقابة على دستورية المعاهدات والاتفاقيات الدولية، والتي في مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق/الجامعة الأردنية