كتاب

العودة لإحياء المبادئ ورحلة في وقتها

أعادت الزيارة الأخيرة لجلالة الملك إلى العراق الروح القومية وأحيت بشكل واضح ومؤثر الروابط والآمال الوحدوية التي آمن بها الشعب الأردني والشعب العراقي وبقية شعوب الأمة العربية. كما شكلت هذه الزيارة وما رافقها من مظاهر الاهتمام والارتياح من قبل القيادات العراقية صدمة وهزيمة لأولئك الذين راهنوا ومنذ أكثر من عقد من الزمان على سقوط فكرة القومية العربية ومفهوم الوحدة العربية وإنهيار النظام العربي برمته وبروز بعض القوى الإقليمية الإسلامية المجاورة ومحاولتها فرض نفوذها وهيمنتها على الدول العربية مضافاً إليها القوة الدولية المقيمة في المنطقة التي تمثلها إسرائيل مدعومة مباشرةً وبشكل صريح ومؤذٍ للمشاعر العربية من الولايات المتحدة الأميركية ومن يسير بركبها في هذا الزمن الرديء.

لقد شكلت الزيارة بنتائجها ومظاهرها وتوقيتها ومستواها نقلة نوعة في استراتيجية إعادة بناء العلاقات بين الدول العربية على قاعدة المبادىء والأهداف القومية التي نجح الآباء والأجداد المؤسسون في إرسائها بدلاً من قاعدة المصالح التي حاول البعض من أبناء الوطن وبتأثير مباشر من خارجه ترسيخها كبديل عصري ضعيف وغير منطقي عن جملة المبادىء والأهداف القومية التي تربينا عليها وعلى الدفاع عنها من قبل الأجيال العربية المتعاقبة.

لقد شكلت العلاقة الأردنية العراقية في مراحلها المختلفة سواء في عهد المملكة العربية المتحدة أو في زمن مجلس التعاون العربي نموذجاً رائداً ومتقدماً للوحدة العربية المنشودة ساهمت بصورة مؤثرة في بناء الجبهة الشرقية في مواجهة الخطر الصهيوني وبعده في مواجهة الخطر الفارسي وما يمثلان من خطر داهم على الأمة العربية ومستقبلها.

- إن فكرة الإصلاح التي ينادي بها الأردن منذ نشأته لا تعني التخلي ولو للحظة واحدة عن الأهداف والمبادىء القومية في الوحدة العربية وبناء الديموقراطية وحفظ الكرامة ودوام الاستقلال ولا تعني احلال المصالح القطرية الضيقة بدلاً منها والتخلي عن القيم العليا الموروثة والتي تجسد معانيها الخالدة في جملة المبادئ والأهداف التي أنجزناها في تاريخنا المجيد القديم منه والحديث.

- يدرك إخواننا وأخواتنا في العراق الشقيق أنهم وإخوانهم وأخواتهم في الأردن كانا صماما الأمان لكل الأمة العربية من حدودها الغربية وحدودها الشرقية وساهما معاً في الدفاع عن حدود الأمة في كل الحروب وفي مساعي السلام ويأملان أن تكون هذه الزيارة فاتحة عهد جديد من العلاقات العربية المخلصة والصادقة وبداية لعودة الروح الوحدوية والقومية بين أقطار الأمة الموجوعة في هذا الزمان.

ـ لقد قضيت في العراق الشقيق عشر سنوات من عمري بين تلميذ في جامعة بغداد ودبلوماسي أردني في سفارة المملكة الأردنية الهاشمية في بغداد وقد لاقيت ما لاقيت هناك من كرم أهل العراق ومشاعرهم الصادقة تجاه الأردن وكل العرب رغم الاختلاف في بعض المواقف السياسية وعبر لي الكثير منهم عن حزنهم العميق لنتائج الانقلاب الذي حصل في بغداد عام 1958 وأحداثه المؤلمة وتطلعهم الدائم لعودة الأمور الطبيعية إلى مجراها الأخوي بين البلدين والشعبين الشقيقين.

ـ لقد جاءت الزيارة في توقيتها الصحيح لتؤكد عودة العراق إلى عرينه العربي قوياً منتصراً في كل معاركه التي خاضها ضد أعدائه وأعداء أمته متصالحاً مع شعبه المجيد بكل فئاته وأصوله متطلعاً للمشاركة والتعاون مع جاره الوفي الأردن القوي ومع اخوانه في الدول العربية الشقيقة لتجسيد معاني الأخوة والدفاع عن الحقوق والمصالح المشتركة.

ـ العراقيون هم الأقرب للأردنيين فهم متسامحون محبون وهم ينتظرون بفارغ الصبر عودة الأمور إلى طبيعتها في أقرب وقت ممكن وهم أيضاً مثلنا في الأردن نتطلع شوقاً لنعانق إخوتنا في سوريا الحبيبة لنكون معاً في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا ولنقترب أكثر من كل إخواننا في المغرب والمشرق العربي ولنثبت لكل العالم أننا أمة تحب الحياة وتساهم في بناء الإنسانية وتسعى للسلام وتحافظ على الحقوق وتحمي المنجزات ولا تسكت على الظلم.

ـ لقد اضاءت الزيارة الموفقة كل الدروب لتجديد العلاقات وتطويرها بين الأردن والعراق والتي لا يمكن حصرها بالعلاقات الاقتصادية المعروفة لكن الأهم هو عودة الروح للعلاقات الأخوية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتأكيد على وقوف الأردن إلى جانب العراق والمحافظة على أمنه واستقراره وتوسيع مجالات التعاون في كافة المجالات.

ـ الزيارة تأكيد واضح على ثبات الموقف السياسي الأردني في الوقوف إلى جانب الأشقاء في العراق وفي كل قطر عربي وهو موقف ملتزم لا تغيره المصالح القطرية الضيقة لأنه موقف قومي أصيل يعطي للأردن دوره المعروف في الدفاع عن الحقوق العربية وعن السيادة والكرامة القومية ولا يتوقف عند الدعوات الصغيرة والمصالح الضيقة ولا يخرج بتاتاً عن مسؤوليته القومية في الدفاع عن مصالح الأمة والتزامه الأكيد بالقيم العالية التي ترسخت في عقول وضمائر أجياله المتتالية، وكان الملك على الدوام حادي الركب والصادق الأمين.