كتاب

الأردن والتحديات وفحوى الحوار

لا ادري منذ متى اجتاحتنا موجة التذمر، التي تصل احيانا حدود السوداوية في احاديثنا وجلساتنا وصالوناتنا وكتابات بعض مثقفينا من»الاوضاع»حتى ليذهب البعض ويعلن باننا على «كف عفريت» وانه لم تمر علينا فترة اسوأ مما نحن فيه!

صحيح ان عندنا مشاكل بعضها اكثر تعقيدا من البعض الاخر، وان هناك تحديات، وانه وعلى الرغم من التهويل الذي يبدو وكأنه اصبح عادة لدى قطاعات واسعة عندنا، الا انه انبرى البعض ليرسم صورة قاتمة عن «ضياع البلد» وفقدان «هيبة الدولة»، وجور الحكومة على جيب المواطن والشكوى من الفساد والرشوة والمحسوبية امر لا بد من معالجته، بعض هذا التذمر مشروع وحق للمواطن الغيور على استقرار وامن بلاده، ولكن التهويل والتضخيم بها كما يطرحه البعض ليس في مصلحة البلاد، ولا امنها واستقرارها وبالذات حين مقارنة انفسنا بما حولنا.

اين نحن مما جرى حولنا على مدى العقدين الماضيين؟ العراق العظيم بدجلته وفراته وسوريا ام العروبة بسياحتها وصناعاتها وزراعتها.. وما الذي يجري في اليمن الذي كنا نسميه يوما باليمن السعيد والذبح والقتل والمجاعة والاوبئة التي هي قسمته اليوم وما الذي حدث لمجلس التعاون الخليجي والذي كان يجب ان يكون الدينامو للاقتصاد العربي وكيف استفحلت اسرائيل واستقوت علينا تركيا وايران واثيوبيا، وكيف حافظت دولتنا ورغم شح الموارد وظلم الاشقاء وغيرهم، على توازنها وبقيت الدولة العربية المسلمة الوحيدة في المشرق العربي تخاطب نفسها والعالم بتوازن وثقة وصوت مسموع.

صحيح انه عندنا مشاكل ولكن صحيح ان جميعها مستدركة ان استمعنا لبعضنا البعض وتكاتفنا على حلها، لعل الاهم من هذه المشاكل هي تذمر البعض من ما يسمونه»انهيار القيم»والادعاء غير الدقيق ولا الصحيح ان»الناس ايام زمان»، كانت احسن واصدق من اليوم، انا شخصيا عشت»ايام زمان»اما وقد ناهز عمري نهاية الثمانينيات ولا اذكر ان «الناس»كانت اشرف او افضل مما نحن فيه اليوم، اختلفت التحديات واختلفت سبل العيش وانتقلنا من بيت الشعر والقرية الى المدينة وبعضنا هجّرته اسرائيل قسريا ودون رحمة من بلاده الى المخيم واصبح هم الفرد على عائلته النووية بدلا من الحمولة او القبيلة، واختفت الدابة وحل محلها العَجَل وذهب عصر»الطارش» الذي كان يرسله البعض يحدد موعدا للقاء الاخر في يوم محدد وحل محله الهاتف المتحرك، الجوال الذي يمتلكه حتى الرعيان هذه الايام.

كل هذه التغيرات والتغييرات لا بد وان يكون لها وقع وتأثير اما القول باننا اصبحنا بلا اخلاق فأمر مرفوض جملة وتفصيلا نحن بحاجة الى تطوير البعض من عاداتنا وقيمنا والتمسك الاعمى بما كان عندنا يمنعنا من الحياة في الحاضر ويغلق علينا باب المستقبل ما حدث لنا على مدى جيل او جيلين فقط من انقلاب في سبل الحياة استمر على مدى قرون في عالم الغرب، واذا ما كان عندنا بعض الارتباك والجيرة والتردد في اتباع ما هو الافضل فأمر طبيعي وبالذات في ضوء تلاطم الافكار والعقائد بين يمين ويسار وفئات تدعو للعودة الى السلف.

على علمائنا وفقهائنا ومعلمينا ووسائل اعلامنا واجب المساهمة في شرح ما نحن فيه للعامة من خلال كتابات ولقاءات وندوات وان ينقلوا الى ابنائنا وبناتنا صورة ما كنا عليه وما نحن فيه اليوم وما هي بالنهاية ضرورات المستقبل ولا يجوز ان نستمر في اسر اجواء الحال اليوم الذي يعلو فيه الجهل على العلم ويعلو فيه الصراخ والندب واستمرار الشكوى لدينا اليوم رئيس وزراء مثقف عالم ووزيرة اعلام واسعة الاطلاع وعندنا علماء دين واساتذة جامعات ومعلمين على مقدرة للبحث في مثل هذه الامور وشرحها للناس. ان يشرحوا للناس»هل صحيح ان الامس كان افضل من اليوم؟ وما الذي تغير في حياتنا؟ وكيف؟ ولماذا؟ ومن اهم اليوم العشيرة الممتدة ام الاسرة النووية؟ وما هو الفرق بين لادين والتدين؟ وماذا تعني كلمة محبة الله ومحبة الجار؟ وما هي فحوى رسالة عمان؟ وكلمة»سواء بيننا»؟ وما هي العادات والاخلاق التي يجب ان نتمسك بها؟ وكيف نساعد انفسنا ودولتنا على اجتياز مرحلة الانتقال الحضاري هذا من حال الى حال؟ وكيف الالتزام بالآية القرآنية الكريمة (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم).

مسألة العادات والقيم والاخلاق امر في غاية الاهمية امر لم تحاول دولتنا منذ نشأتها التدخل او التشريع فيها اذ تركت الامور تسير بيسر ودون تدخل مما سمح لبعض الفئات الاكثر تنظيما على الخوض فيها ولكن الامر اصبح بحاجة الى التصدي له ولو بحكمة وروية لا لواقعه السياسي او الامني او الاقتصادي وحسب بل وللحاجة الى الولوج الى المستقبل، والا ولماذا يقول سيد البلاد مؤخراً يكفى يكفي لا يوجد احد اكبر من البلد.

اعتقد ان مسألة الانتقال الحضاري الذي نحن فيه اليوم بحاجة ماسة الى التوضيح والشرح وانه امر يقع على راس قائمة القضايا التي تواجه الاردن اليوم، الامر الذي يقودني الى الدعوة الى توجيه الحمد والشكر الى الله، ان مشكلتنا الاخرى شبه المستعصية على الحل ليست سياسية بل اقتصادية وحسب، ولعل ابرز دليل على ذلك اجتماع الاردنيين من»مختلف المنابت والاصول»على الانتماء والولاء للدولة الاردنية وقيادتها الهاشمية،الامر الذي ظهر واضحا من الاحتجاجات التي قادت الى استقالة حكومة الملقي كانت بنفس اللحظة تتمسك بالنظام وكأن الشارع اصبح يدرك، ولو بالفطرة، الفرق ما بين حكومة تأتي وتذهب وبين نظام دولة له الولاء والانتماء، قادر على التمييز ما بين اداء رديء لحكومة معينة وعدم مزج ذلك باداء الدولة بكاملها، لو كانت مشكلتنا سياسية تتعلق بروح ونهج الدولة لاصابني القلق والجزع ولكنها مجرد أزمة اقتصادية في سبيلها الى الحل بجهود دولتنا ومؤسساتها من جهة وبسبب الاجتماع الدولي على قيادتها على مختلف الصعد حتى قيادات المجتمع المدني عندنا وان أزمة المنطقة بطريقها الى الانفراج اما وان بشائر الاستقرار والامن بدت تلوح على افق العراق وسوريا.

عندنا قضايا ومشاكل أهم من تكرار الشكوى وجلد الذات والتذمر وعلى رأسها مسألة تبدو ادارة نقاش جدي حول حال الانتقال الحضاري الذي نحن فيه وعندنا تحدي الصهيونية العالمية وما تخططه لنا في المستقبل والدعوة الى اعادة الوحدة ما بين الضفتين امر لا بد من التفكير فيه والعمل باتجاهه بكل عزم وتأكيد، الاردن وفلسطين قوة اقليمية ودولية مهمة، اما الاردن وحده وفلسطين وحدها فهو بالضبط ما تريده اسرائيل والغرب، بناء الاردن سند لفلسطين والعرب والاسلام وهذا ما يجب ان يكون محور اهتمامنا وجهدنا وحوارنا.