كتاب

تحديث نظام المِلل والنِحل: نموذج للعيش المشترك

معظم مجتمعات العالم تحتوي على عدد من المكونات البشرية التي تختلف فيها هذه المكونات اما دينيا او اثنيا او احيانا غير ذلك، عن الاكثرية في ذلك الشعب ويعلمنا التاريخ ان ذلك الاختلاف كان دوما مدعاة للنزاع والكراهية التي قد تصل احيانا حد البربرية تماما كما نشاهد اليوم من اضطهاد بغيض تمارسه اسرائيل منذ قيامها عام 1948 ضد الشعب الفلسطيني تحت شعار ان شعبها هو»شعب الله المختار» او الحقد والبربرية التي يمارسها قادة ميانمار ضد الروهينغا.

التاريخ مليء بقصص اضطهاد دين لآخر ومليء كذلك بقصص جماعة اثنية معينة تستكبر وتستعلي على غيرها، ونادرة لا بل نادرة جدا، محاولات بعض المجتمعات التي حاولت التوصل الى معادلة تحقق العيش المشترك بين مكونات المجتمع المختلفة. والاختلاف الذي هو سنة من الله ومن الطبيعة كذلك كان دوماً سببا للصراع والكراهية بدلاً تذوقه وتحسسه واعتباره من آيات الله في خلقه الذي شاء لكل مخلوق بشري والاختلاف عن كل مخلوق آخر حتى اخوته، وهكذا اصبح الاختلاف الذي شاءه الخالق وشاءته الطبيعة ان يكون متعة ونعمة للبشر: اصبح عكس ذلك تماماً.

لم تقم الكثير في النظم الفلسفية الاجتماعية والروحية ولا معظم الاديان بما قام به الاسلام من جهد جاد نظريا وعمليا في البحث عن معادلة معقولة تمكن العيش المشترك بين مكونات المجتمع المختلفة بحيث اصبح من صلب الدين الايمان بانسانية ووحدة جميع البشر ومساواتهم جميعا امام الخالق ونتيجة هذا الامر المنطقية والطبيعية انه اذا ما كان الجميع متساوون امام الخالق فمن باب اولى ان يكونوا متساوين كذلك اما القانون، ما كانت المساواة يوما في الاسلام منة او مكرمة من هذا الخليفة او الحاكم او ذاك وانما امر لا بد من طاعته لانه من حقائق الخلق الأزلية التي هي انعكاس لأمر الله.

صحيح ان الامور لم تسر دوما على هذه الشاكلة، تماما، كما كان الامر ربما في جميع المجتمعات البشرية، ولكن صحيح كذلك ان الاسس العقدية والفلسفية لنظام الحكم والحياة كانت في الحضارة العربية والاسلامية تدعو الى ذلك.

بارك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الاختلاف حتى قال انه «اختلاف أُمتي رحمة»وتحدث وتشارك الرأي مع اهل الكتاب وتزوج من كتابيات واستقبل مسيحي نجران في مسجده وعقد العهود ووضع اول دستور مدني في التاريخ: دستور المدينة وبالنسبة له كان العيش المشترك مع من يختلفون امرا طبيعيا.

مثل هذه الركائز الدينية والفكرية والفلسفية تشكل خلفية نظام المِلل والنحل الذي سمح ببقاء المكونات المجتمعية المختلفة عبر تاريخ الاسلام. صحيح ان كان هناك بعض الشواذ من المتعصبين والمتزمتين والكارهين ودواعش الدهر احيانا في تاريخنا ولكن صحيح ان جميعهم كانوا يفتقرون الى معرفة اصول حضارتهم الانسانية.

لو قام علماؤنا وفقهاؤنا بتطوير هذه القواعد الدينية والفكرية بما يتناسب مع متطلبات الزمن لقمنا بتقديم نموذج يصلح الاقتداء به من قبل المجتمعات الاخرى الولاء والانتماء وهوية الانسان السياسية وكذلك طاعته للدولة ولدستورها وقوانينها وتشريعاتها، اما اسلوب حياته الاجتماعية وملبسه ومأكله ومشربه ودينه ومناسباته فشأن خاص وطبعا كل ذلك ضمن الالتزام بقواعد الاداب العامة والعادات والتقاليد المجتمعية المتعارف عليها.

المرجو ان تعود المجتمعات التي دمرت نفسها فترة «ربيع الغضب العربي» الى البحث عن التوازن الانساني الذي فقدته، التوازن الذي افسح المجال للعيش المشترك لجميع مكونات المجتمع على مدى القرون منذ بزوغ فجر الاسلام، وحضارتنا العربية الاسلامية وسيطة على صعيدين مهمين: احدهما جغرافي حيث تتوسط منطقتنا العربية وقلبها الهلال الخصيب، قلب العالم والبعد الآخر انها حضارة وسيطة تاريخيا بين حضارات الشرق والغرب والشمال والجنوب، اخذنا واعطينا وتعاملنا وتاجرنا ونقلنا الفكر واستحسنا منه ما استحسنا ولفظنا ما لم نجده مقبولا. مثل هذا الانفتاح الجغرافي والتوسط الحضاري عززه على مدى تاريخنا سعة صدر الفكر العربي الاسلامي وروافده المتعددة المسيحية منها وغير ذلك.

من الممكن ان حتى اليوم ان تجد في بناية عدد من الشقق في عمان او بيروت، وان شاء الله قريبا حتى في بغداد والقاهرة ودمشق ان شققها تحتوي على السني والشيعي والدرزي والبهائي والارثوذكسي والكاثوليكي واللوثري وانواع اخرى من البروتستانت والشركس والشيشاني والكردي والبخاري والتركي والارمني، كل شقة تمثل نحوا اخر من الحضارة وحتى اللغة وطعام وشراب واسلوب حياة مختلف، ولكن جميعهم اردنيون او لبنانيون امام الدستور والقانون: حضارات مصغرة ضمن الحضارة الواسعة الام.

المطلوب من علماء وفقهاء هذه الامة ان يحدثوا ويطوروا هذا التراث الراقي اولا للحفاظ على هذه التعددية الرائعة التي هي جزء اساسي من تاريخنا وتراثنا وثانيا لعلنا نقوم بتقديم نموذج معقول للعيش المشترك تتبناه هيئة الامم المتحدة وتعممه على دول العالم وبالذات دول العالم الغربي الذي يتذمر ويشكو من اللاجئين الذين يقصدون شواطئها وتنسى ان معظمهم ما كانوا على هذا النحو لولا فترة الاستعمار الطويلة التي نقلت الكثير من ثروات هذه البلدان الى خزائنها او بسبب تبنيها الاعمى لمخططات الصهيونية العالمية والحروب التي دمرت بلدان هؤلاء اللاجئين من فلسطينيين وعراقيين وسوريين وغيرهم.