في أميركا وحدها تم اكتشاف ما يناهز ال 15000 طبيب يزاولون مهن الطب دون توفر المؤهلات العلمية التي تضع مثل هؤلاء في المواقع التي يشغلونها، وتصدر الولايات المتحدة سنوياً ما يناهز 45000 شهادة دكتوراه حقيقية وصحيحة، وتجد أنه يقابلها ما يناهز ال 50000 شهادة دكتوراه تصدرها مؤسسات وشركات على نحو مزيف وتشوبه الشبهات لقاء مردودات مالية آنية تكون على المدى البعيد وابلا من المشكلات التي تضر بمصالح المجتمعات وسمعة الجامعات التي صدرت الوثائق مزورة باسمها وهي (أي المؤسسات) تكون لا تمت بصلة لما حصل على الإطلاق.
أما في الدول العربية، فالأمر أكثر سوءا، فعلى الرغم من تعدد الأجهزة الرقابية وتطبيق المعايير والتشريعات التي تضبط الممارسات التي توسم بالزيف والتزوير؛ إلا أن حجم ما يتم ضبطه في واقع الحال لا يشكل أكثر من 10% من حجم التزوير الحقيقي، وإن الكلف المترتبة على هذا التزوير تقدر بمليارات الدولارات من حيث الضرر الواقع على الأفراد والمترتب على المجتمعات ككل. فعلى الرغم من الكم الضخم الذي يتم اكتشافه من أعمال التزوير والمعايير التي تتصدى له إلا أن فنونه ما زالت تتطور وتواكب التطورات التقنية المضطردة... لقد أصبح من الصعب التحقق من صحة الوثائق التي نتداولها في حياتنا اليومية إلا من خلال التواصل المباشر مع المؤسسات التي تصدر مثل هذه الوثائق؛ إذ أن مثل هذه الطريقة تكاد تكون الطريقة الوحيدة للتحقق من صحة ما يصدر من عملات ووثائق وشهادات وأوراق حكومية وغيرها.
المحاكم والجهات الرقابية في الأردن، حققت نجاحا لابأس به في اكتشاف العديد من فنون التزوير والتزييف، الشهادات العلمية والمهنية على اختلاف مصادرها، سندات تسجيل أراض لأشخاص متواجدين خارج الاردن، وكالة على اساس انها صادرة عن شخص مقيم في اميركا، عقد القران بموجب الوكالة المزورة، شهادة وفاة للشخص المقيم في اميركا، استخراج حجة ارث لورثة من استخرجت شهادة وفاة بحقه، وورثت الزوجة المزورة قطعة ارض بمساحة دونم و88 مترا، ناهيك عن التوقيع بطريقة احتيالية، تحت اسم شخص آخر إما على شيك، أو على وصية، أو عقد، أو أوراق الهوية ووثائق السفر، وهناك نوع آخر من أنواع التزوير ألا وهو التزوير في أنواع الأدوية والمواد الغذائية وتواريخ انتهائها .
إن توفير الحل الأمثل لمكافحة التزوير بل ومنعه من الحدوث مسؤولية وطنية، ولكن بأدوات غير تقليدية، فقد بات من الممكن استخدام التقانات الإلكترونية المتطورة التي تمكن المرء التحقق من صحة الوثائق وتتبع مساراتها منذ لحظة صدورها؟!، فماذا يمكن أن يحدث لو تمكنت المؤسسات من إبطال مفعول وثائق وشهادات حتى بعد استصدارها وتداولها؟! ماذا سيكون شكل الدولة لو تمكن المواطن التحقق من صحة الوثائق الورقية والإلكترونية على حد سواء على امتداد اليوم وطيلة أيام الأسبوع وبشكل آلي معتمد ويعتمد عليه.
الأردن كدولة يسعى للتطور والنمو، ومستهدف اقتصاديا وأمنيا؛ بحاجة لأنظمة رقابية مؤتمتة تقوم على تتبع الوثائق والأوراق الرسمية ومنع تزويرها أو تزييفها، وبات أكثر من أي وقت مضى بحاجة لتوفير نظام متكامل يكفل حماية وثائقه وعملته وشهادات أبنائه من أي صنف من التزييف، وبخاصة في ظل تدفق اللاجئين للأرض الأردنية والتهديدات الأمنية لمنع الخروقات الأمنية والاقتصادية وللأبد!!!
مطلوب من الحكومة تبني سياسة تهدف لتعزيز الثقة بالمؤسسات الرسمية بما يضمن إعادة الهيبة للقطاع العام بالتشارك التام مع القطاع الخاص وتبني ودعم المشاريع الريادية التي يمكن لها أن تزود الدولة بالحلول المطلوبة والتي يمكن أن تنشأ من عقول وسواعد أردنية وينتج عنها مشاريع تنموية توفر فرص عمل للأردنيين .
ومطلوب أيضا؛ ممن يعنيه الأمر في الدولة، تعزيز دورالجهات المعنية في تبني مشروع وطني ريادي يسهم وبشكل نوعي في حماية الأمن الوطني، من خلال حماية وثائق وبيانات الدولة من التزوير والتزييف وضمان ايجاد «بنك وطني للوثائق المحمية «بدعم نخبة من الخبراء الوطنيين ممن نجحوا في تسجيل براءة اختراع عالمية في استخدام احدث التقنيات في محاربة التزوير. وانطلقوا من رحم جامعاتنا الوطنية من فكرة إبداعية إلى مشروع حاضنة تكنولوجية ثم إلى مشروع ريادي لإنتاج تكنولوجيا متطورة لمكافحة التزوير بأي شكل كان سواء في الوثائق أو الأدوية أو البضائع. وانطلاقا من تحمل الحكومة لمسؤولياتها تجاه تطوير القطاع العام وحرصها على أمن الأردن العزيز على قلوب كل مواطن، فإن تبني مشروع ريادي يهدف إلى جعل الأردن بلدا خاليا من التزوير يعتبر من أهم أولوياتها الوطنية.
أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة العامة سابقا
تكنولوجيا مكافحة التزوير؛ أمن وطني؟!
11:00 2-9-2018
آخر تعديل :
الأحد