كتاب

إسرائيل مشروع غربي تاريخي

بعد تدمير العراق على يدي اميركا/الغرب بقيادة بوش الاب عام 1991 وبوش الابن عام 2003، افاجأ انها استدارت منذ تلك اللحظة للبدء بعملية تدمير ايران اذ اذكر رد هنري كيسنجر حين سُئل عن من يفضل ان تربح الحرب التي كانت دائرة بين العراق وايران قال انه يتمنى ان تتم هزيمة الطرفين.

لا ادري اذا انتبهت القيادة الايرانية آنذاك الى مضمون ملاحظة كيسنجر وان الغازي الغربي لا بد وان يستدير ليأكل الثور الابيض بعد ان انتهى من التهامه للاسود. الاصل: البارحة واليوم والغد هو حماية اسرائيل، الامر الذي يعني من الناحية التاريخية ان لا تبقى في المنطقة اي دولة تتمتع بقوة قد تشكل اليوم او مستقبلا اي قدر من الخطر على هذه الاسرائيل/الغرب. وهو الامر الذي اتمنى على الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان ينتبه له وان يتفهم ابعاده على الرغم من الكلام المعسول، وعلى الرغم من العلاقات الاسرائيلية الغربية التركية.

المشروع الغربي الصهيوني لم يأت لاعنوة ولا استجابة لنزوة هذا السياسي الغربي او ذاك ولا كان في يوم من الايام مقصورا على فترة زمنية معينة ومحددة بل هو حلم غربي سحيق في ذات الفكر والشخصية الغربية منذ الازل له جذور في الدين والجغرافيا والفكر والفن وكتابات الرحالة والمستشرقين منذ القدم.

ومن اروع الكتابات الرصينة اشير فقط الى كتاب"الاستشراق" لادوارد سعيد، الذي يسلط فيه الضوء على الدوافع خلف المجابهة – الصراع والهجمة المستمرة الغربية على الشرق. وكتاب آخر للاستاذ توماس آسبرج من جامعة اكسفورد البريطانية بعنوان"الحملات الصليبية"بما يزيد على الألف صفحة يؤرخ فيها لهذه الحملات ودوافعها الواحدة تلو الاخرى.

ولعل من اهم ما لفت انتباهي في هذين المؤلفين الاصرار والعناد الغربي على مدى القرون منذ فجر الاسلام على العِداء نحو العرب، مسلمين ومسيحيين الذين حملوا رسالة الحضارة الغربية الاسلامية ونشروها ودافعوا عنها بكل ما اوتوا من قوة وعناد.

الصراع منذ تلك اللحظة مرير تشتد حدته من لحظة لأخرى ولكنه اخذ طابعا اكثر حدة ومرارة على مدى القرون الخمسة الاخيرة ونجاح الصهيونية في التغلغل العميق جوف الحضارة العربية بدوافع دينية عنصرية حرفت الكثير من تعاليم اليهودية وفيما بعد لدى قطاعات واسعة من المسيحية الغربية لتجعل منها اداة مطيعة بيد صانع القرار الاسرائيلي اليوم.

على مدى القرن الماضي تم استهداف العرب من خلال تعاون بعض العرب على العرب وهكذا نجحت خطة رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان 1907 الرامية لتقسيم وشرذمة العرب والابقاء عليهم في حال من التيه والضياع والبحث عن مخرج. صحيح ان العرب اليوم عنصر سكاني مهم من عناصر المنطقة ولكن صحيح كذلك ان القرارات المصيرية ليست بأيديهم، واليوم يتعاون الغرب/ الصهيونية مع بعض دول الجوار على البعض الآخر من دول الجوار. اما وقد تم التهام الثور العربي الابيض والعمل جار لالتهام الثور الايراني الاسود فعلى تركيا ان تعيد النظر في حساباتها، وان بعقلانية وروية وان الثور التركي الابرق لا بد وان يلقى نفس المصير اذ لا يفرق الغرب/الصهيوني ما بين شيعة وسنة كما انه لم يفرق سابقا ولا هو يفرق اليوم بين مسيحي ومسلم عربي اذ ان جميعنا مذنبين منذ الولادة! الغرب واع لما تفعله اسرائيل، واع لعنصريتها واستعلائها واعتدائها على جميع المبادئ الانسانية والقوانين وواع لعنصريتها وواع اليوم لقانونها الاساسي الذي تم اقراره قبل ايام والذي جعل منها دولة عنصرية دينية شوفينية متعصبة، ولكنه يجد لها الاعذار لان في هذا ما يخدم مصالحه، اسرائيل اليوم جزء مهم من الغرب واساطيله الرابضة في حيفا ويافا، يعتذر عن جميع ما تفعله لاعلى ارض فلسطين وحسب حيث تعامل العرب كحيوانات يجوز ذبحها بل وعن اعتداءاتها على سوريا، والاردن ولبنان والعراق ومصر وغيرها.

وتقول تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا بفخر انها سليلة بلفور ويغرد ترمب باعتزازه وافتخاره بصديقه نتانياهو ويشهد المشهد السياسي الغربي موجة يمينية عارمة معادية للعرب والمسلمين.

كل هذه حقائق اتمنى على ايران وتركيا والقادة العرب ان يتفكروا حولها.

جاءت التعددية وقبول الاخر للاخر امتثالا لآيات في القرآن الكريم وإرادة الله، لا منحة ولا منة ولا مكرمة لامن خليفة ولا من حاكم او سلطان، وهو امر لا تعرفه الحضارة الغربية حتى ان العالم الفيزيائي البرت اينشتاين يقول انه العنصرية سمة اساسية فيها وانها لعنة وسبة هذه الحضارة، منذ انشاء دولة اسرائيل، لا بل منذ زمن ثيودور هرتزل يسيطر اليهود الغربيون الاشنكناز على اليهود كافة وعلى الفكر الصهيوني، الامر الذي يفسر عنصريتهم واستكبارهم التي وصلت حد البربرية في تعاملها مع العرب عامة واهل فلسطين خاصة، وعلى قادة المنطقة من عرب وترك وكرد وفرس وغيرهم.

الوعي ان الصهيونية الغربية بمسيحيتها المشوهة ويهوديتها الاشد بشاعة لاعلاقة لها لابتاريخ المنطقة ولابارثها الاجتماعي المستند الى قبول الاخر للاخر والعيش المشترك، وهم في حقيقة الامر لايعرفون بين هذه الاقوام التي يعتبرونها مجرد شعوب اقل قيمة خلقها الله على شكل انسان ولكنها وضيعة جاءت لخدمة شعب الله المختار، وللاسف وجدت هذه الاراء الفاسدة تجاوبا لدى فئات واسعة من مهووسي المحافظين الجدد حيث التقت العصنرية الانجيلية مع العنصرية الصهيونية لتعيد الانسانية الى كهف الجهل والانتحارية والعدمية.