استمرت الدولة الاردنية، منذ تأسيسها في بداية عشرينيات القرن الماضي، في محاولاتها ارساء قواعد الحكم في أسس النظام البرلماني، ولأسباب متعددة لم تتكلل جميع هذه الجهود بالنجاح على الرغم من جهود الملك المؤسس عبدالله الأول، وطلال والحسين وعبدالله الثاني اليوم، وهكذا استمر النظام الأردني في التأرجح ما بين فترات من الحكم الليبرالي كما الحال فترة الأربعينيات والخمسينيات وغير ذلك، تبعاً لتتالي الأزمات التي كانت تعصف بالبلاد والمنطقة.
يعود الفشل في اعتماد نظام برلماني لعدة اسباب خارجية وداخلية اركز في بحثي هذا على الداخلية والتي يقع على رأسها فشل المجتمع السياسي تشكيل الاحزاب التي لايمكن لنظام يطمح في ان يكون برلمانيا ان يعمل في غيابها حيث كان من المستحيل في اجواء الازمة الحضارية والهجمة الصهيونية الجزم بمسألة الولاية العامة ولمن تعود؟. لرأس الدولة؟ كما في النظم الرئاسية أم لرئيس الوزراء المنتخب مباشرة من الشعب وزعيم أكبر الأحزاب في مجلس النواب؟
يتمتع رئيس الدولة كما الحال في النظم البرلمانية النرويجية والبريطانية وغيرها باحترام وتقدير كبير كونه رمز الدولة، يملك ولكنه لا يحكم يُستشار ولكن لا يقرر اما الولاية العامة وسلطة اتخاذ القرارات المصيرية وغيرها في السياستين الداخلية والخارجية فهي بيد رئيس الوزراء، رئيس اكبر حزب منتخب مباشرة من الشعب، مثل هذا النظام لاشك رائع ومناسب لمجتمعات مستقرة لا تتعرض للازمات والهزات المستمرة وتتمتع بمستويات معيشية جيدة وممارسة ديمقراطية على مدى زمن طويل.
كلا النظامين ديمقراطي وان كان اعتماد اي منهما يعتمد على التركة السياسية والاجتماعية لذلك البلد بالاضافة الى مستوى معيشي معين ومدى حدود التحديات الاقليمية والدولية حيث لابد من التأكيد انه كلما اشتدت حدة التحديات كلما قامت حاجة المجتمع لمنح رأس الدولة المزيد من الصلاحيات بحيث لا تقتصر على رمزيته كرأس للدولة وانما تتعدى ذلك ليكون احد اهم مراكز صنع القرار السياسي والاجتماعي.
لا ادري مدى وعي المُشرّع الاردني الى حقيقة ابعاد التعديلات الدستورية التي اجريت اخيرا لانها نقلت النظام السياسي الأردني ليصبح نظاماً رئاسياً مع فارق جوهري ان رأس الدولة في الحال الأردني ملك بالوراثة وحسب الدستور لاحدود زمنية لولايته، وغير منتخب مباشرة من قبل الشعب كما الحال في النظم الغربية الرئاسية.
يتميز النظام الرئاسي بالفصل شبه التام ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية عكس الحال في النظام البرلماني حيث رئيس الوزراء يرأس السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكن مع ضرورة التأكيد ان هذا الفصل في حال النظام الرئاسي يسمح بالتفاعل ما بين السلطتين وان كان دوماً على مستوى معين من المجابهة عكس النظام البرلماني حيث يتمتع رئيس الحكومة بالأغلبية كونه يرأس أكبر الأحزاب.
اضفت التعديلات الدستورية الشرعية الى مهام كان الملك يمارسها عملياً بالذات منذ أربعينيات القرن الماضي استجابة للظروف القاهرة التي كانت تمر بها البلاد، في حال استحالة وجود نظام برلماني بالمفهوم الغربي الذي لابد ان يرتكز لوجود احزاب وطنية لاعابرة للحدود قومية او دينية او اممية او يمينية كما الحال عندنا.
لعله من المناسب البدء بالاشارة الى ان النظام الأردني رئاسياً بالفعل من حيث الشكل والمضمون حيث يقوم الملك كما الحال في الانظمة الرئاسية بتعيين رئيس واعضاء المحكمة الدستورية ورئيس المجلس القضائي وقادة الجيش والمخابرات والدرك دون تنسيب من رئيس الحكومة، فالولاية العامة اذن لم تعد بين رئيس الحكومة والوزراء وان كان لابد من الاشارة بان لهم مساهمة بالأمر نظراً للثقة الملكية من جهة والبرلمانية من جهة أخرى.
تحدثت الورقة النقاشية الملكية الخامسة (13/9/2013) عن التعديلات الدستورية، واكدت انها جاءت لترسيخ منظومة الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن ما بين السلطات وهكذا قامت بتصويب وضع كان في غاية الغموض من الناحية القانونية ووضحت بشكل صريح لامبادئ فصل السلطات وحسب بل واين ومن هو المسؤول عن الولاية العامة.
وحيث أن الأمر على غاية من الأهمية لامن حيث ضرورة النقاش الداخلي وحسب بل حين التعريف بدولتنا في الخارج فانه لابد من الاشارة اليه في وسائل التعليم ودراسته من قبل وسائل الإعلام وبالذات ان ازمات المنطقة لا يبدو وكأنها ستتلاشى في المستقبل، الأمر الذي يؤكد استمرار الحاجة لصانع قرار قوي لاغموض على الاطلاق في مدى صلاحياته.
مرة اخرى لابد من تأكيد استحالة قيام نظام برلماني الابوجود احزاب وطنية ملتزمة باللعبة السياسية داخل حدود الدولة، وقد فشل الاردن، كما فشلت معظم الانظمة العربية في انتاج احزاب وسطية لاعابرة للحدود من جهة وليست احزابا شخصية لايقتنع الشارع بشعاراتها مهما كانت لامعة وبرّاقة.
وأخيراً لا بد من التأكيد انها حسمت بشكل لا لبس فيه بمسألة الولاية العامة، وحدّدت الصلاحيات لمراكز الحُكم وحسمت النقاش في الأمر.