كتاب

(لاجئو العالم الثالث ومسؤولية دول الغرب)

تزخر معظم عواصم دول الغرب هذه الايام بالاجتماعات التي تضم قادة هذه الدول من سياسيين وعسكريين وغيرهم لحماية بلدانهم من امواج اللاجئين الوافدة اليهم مشيا على الاقدام او عبر البحار الاصل بالنسبة اليهم ليس العامل السياسي ولا حتى الانساني وانما البحث عن الوسائل الكفيلة بحماية مكتسباتهم المادية الناجمة عن سوء توزيع الموارد الاقتصادية لصالحهم نتيجة تفوقهم التكنولوجي على مدى القرون الخمسة الماضية.

حقيقة الامر ان الحضارة الغربية الفتية لم تغير موازين القوى السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية بين شعوب الارض وحسب، بل والاهم من ذلك انها استبدلت نمط واسلوب حياة معظم شعوب الارض باصرارها على ضرورة احتكام الانسان الى العقل في تدبر امور الدنيا والآخرة، وادخلت فكرة امكانية التطور وان الامر ليس قدرا محتوما لا مفر منه بل وحتى امكانية تحكم الانسان بكثير من قوى الطبيعة وتسخيرها في خدمته.

لم تكتفِ الحضارة الغربية باستبدال الانماط الحياتية المادية التي استمرت على مدى الزمن منذ فجر التاريخ بل ادخلت الشك الى القلوب وطبيعة علاقة الانسان بالطبيعة من جهة ومع الخالق من جهة أخرى.

كل هذا بالاضافة الى تفوقها التكنولوجي وفي المجالات الانسانية وفي الفنون والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسية وغيرها، لعل تفوقها ونجاحها السريع على مدى القرون الخمسة الماضية مقارنة بالحضارات القديمة المصرية وما بين النهرين وفلسطين وحضارة اهل الصين والهند واليابان، ما جعل قطاعات واسعة من قادة ومفكري الغرب يعتقدون بأن لديهم ما يميزهم عن غيرهم من الشعوب عرقياً لا بسبب بياض بشرتهم وحسب بل ولاعتقادهم بأنهم اصحاب رسالة لتمدين الشعوب الاخرى واعطائها بعض مفكريهم لقب ما اسموه بـ»حمل الرجل الأبيض».

مثل هذا الاعتقاد مهد له انفتاح وعقلانية اجوائها وامكانية اخضاع حتى الايمان والدين لمساءلتها واضاف الى كل ذلك ثورة المصلح مارتن لوثر على الكنيسة الكاثوليكية الامر الذي قام بدوره بالسماح للصهيونية التغلغل في جوفها.

لم يجد الانجيليون الأوائل الذين استوطنوا العالم الجديد ولا احفادهم صعوبة في تبني فكرة الشعب المختار، وما يتبع ذلك من احاسيس استكبار واستعلاء واحتقار لانسانية الشعوب الأخرى وحتى انكار هذه الانسانية جملة وتفصيلا.

الرئيس دونالد ترمب، لم يخترع مفهوم «اميركا اولا» الفكرة قديمة تعود جذورها الى المستوطنين الأوائل والتي وجدت صدى لها فيما يعرف «بمبدأ مونرو» 1823 الذي اعلن ان منطقة اميركا الجنوبية والبحر الكاريبي منطقة نفوذ خالصة لهم، لا يجوز لاي دولة اخرى الولوج اليها.

مبدأ مونرو هذا اتسع مع تعاظم قوة اميركا على المدى القرن التاسع عشر وما تلاه، وبحيث ان لكل رئيس اميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم مبدأ يوسع من صلاحيات اميركا حتى ان الرئيس ترمب يدعو اليوم الى تغطية الفضاء الخارجي بـ»الحماية» الاميركية.

لا احد يعلم كم عانت الشعوب المستعمَرة على مدى القرون الخمسة الماضية من ويلات الاستعمار الذي قاد الى ابادة شعوب بأكملها كما في العالم الجديد لا من خلال الوسائل العسكرية وحسب بل وحتى نقل عدوى الحصبة والامراض الجنسية والحرب البيولوجية بأبشع صورها.

لمصلحة من استعمار اقطار واسعة من آسيا وافريقيا والشرق الاوسط، وتم نقل الثروات من هذه البلاد بل استعباد اهلها وبيعهم في الاسواق.

على قادة دول الغرب وهم يتحاورون ويخططون لحماية مكتسباتهم من لاجئي العالم الثالث ان ينظروا في ضمائرهم الى العبيد الذين تم نقلهم الى بلدانهم ناهيك عن الثروات والموارد التي عمّرت مدن الغرب ومصانعهم ومزارعهم ومتى خرج المستوطنون من الصومال وروديسيا وجنوب افريقيا والجزائر واندونيسيا والشرق الاوسط وغيرها؟

ومن هم اصحاب القرار والثروة في استراليا ونيوزلندا ومتى تحررت اقطار واسعة من افريقيا من الاستعمار البلجيكي والالماني والفرنسي والايطالي والاسباني والبرتغالي والآن الاسرائيلي؟.

أنا لست ضد الغرب ولا ضد احد واعتقد بأنه لا بد من اعادة نظر شاملة لما يجري في عالمنا اليوم الذي تلعب به الحضارة الغربية الدور الأكبر، فلينظر قادة هذه الحضارة الرائعة الى انفسهم ويستعيدوا النواحي الانسانية الراقية التي فقدوها بسبب تغلغل فكر شعب الله المختار الاقصائي فاخرجها عن مسارها، وبدلاً من تحصين انفسهم عسكرياً خلف الاسوار العالية كما تفعل اسرائيل عليهم ان يعملوا على تنمية اقتصادية واجتماعية للبلدان التي استعمروها الى فترات طويلة وزعزعوا بنيانها الاجتماعي والحياتي والانساني دون بديل مقبول.

بدلاً من الحصون وفكر الاستعلاء بناء جسور الانساني فالعربي الفلسطيني انسان وليس صحيحا ما يقوله آل صهيون اننا حيوانات تسير على قدمين والاميركي اللاتيني انسان وكذلك الافريقي الاسود والصيني الاصفر والهندي الاحمر والامل في نهاية المطاف يبقى معقود ما تبقى من انسانية اهل الغرب اذ هم اصحاب السطوة وعلينا نحن اهل العالم الثالث العمل على اعادة الانسانية الى هذه الحضارة العظيمة التي هي حضارتهم، اما نحن فقد خرج القرار من ايدينا.

على دول وشعوب الغرب ان يتذكروا ما فعلوه على مدى القر,ن الخمسة الماضية من استعمار ونهب ثروات شعوب العالم الثالث، كما ويتوجب عليهم ان يسألوا انفسهم عن الاسباب التي جعلت اهل العراق وسوريا واليمن وفوق ذلك فلسطين ان يلجأوا الى بلدانهم، ثم تدمير العراق بلا رحمة نتيجة مجموعة من الاكاذيب التي تم تلفيقها ما بين وزير الخارجية الاميركي كولن باول ورئيس حكومة بريطانيا توني بلير، اما ما يحدث في فلسطين وسوريا وليبيا واليمن من تدمير للانسان وارضه فيتم لمصلحة اسرائيل ورغبة دول الغرب قاطبة القضاء على العرب والعروبة.

في عاصمة بلجيكا مقر الاتحاد الاوروبي اجتمع القادة الاوروبيين برئاسة رئيس وزراء النمسا سباستيان كورز، العنصري المتطرف وقرروا انشاء جيش لحماية ما اسموه «القلعة الاوروبية» وحدودها وانشاء مخيمات اقرب الى المخيمات النازية (Concentration Cawps) لصد اللاجئين تشابه المخيمات الهتلرية ضد اليهود.

لا ادري كيف نسي قادة الاتحاد الاوروبي تاريخهم الاستعماري الرهيب وبالذات ان الملك لوبولد الثاني البلجيكي اعتبر منطقة الكونغو ملك شخصي له وان بعض اهم معالم مدينة بروكسل، العاصمة شُيدت بالاموال التي نهبها بدون رحمة من هذه البلاد حتى ان عدد الذين توفوا وقتلوا بسبب قسوته يقدر بحوالي الخمسة عشر مليون انسان.

هذا ناهيك عن الاستعمار البرتغالي والاسباني والفرنسي والايطالي والالماني والبريطاني والاميركي وغيرها من الدول الغربية لاراضي وثروات وارواح معظم قارات العالم القديم.

لن تتوقف موجات اللاجئين ولا هجمات المسحوقين من اهل الارض من اهل غزة وافريقيا واميركا اللاتينية وآسيا والشرق الاوسط الا اذا توقفت اساليب اليمين المتطرف البربرية الغربية تجاه الانسان وارضه الذي يلجأ اليوم الى ارضهم جراء سياساتهم السابقة والمستمرة الى اليوم ويجدر على قادة هذه الدول العودة الى الوسائل الانسانية والعمل على تنمية وتطوير هذه البلدان المنكوبة بمشاريع تنموية تبقي اهل الارض بأرضهم.

لن ينعموا بلحظة هدوء او استقرار الا اذا ما اعادوا الى الوسائل الانسانية والا فسيستمر «المعذبون في الارض»، كما لقبهم فرانز فانون، بما هم فيه من المطالبة بالعدل.