بعد سبعين عاما على ذكرى نكبة فلسطين، وخمسين عاما على احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وما حل بالشعب الفلسطيني من ويلات وآلام ، جراء بقاء الاحتلال الاسرائيلي ، لا بل وتعمقه واتخاذه كافة اشكال العدوان والعنصرية مترافقا مع الاحباط والظلم التاريخي الذي لا يوازيه ظلم على وجه الارض ، فان الشعب الفلسطيني في هذه الايام، وفي ذكرى النكبة يواجه نكبة جديدة، بنقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس، في محاولة كبرى لإنهاء وتصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء أي بصيص امل لاحياء السلام الذي بات جثة هامدة منذ فترة طويلة لكنها كانت ملقاة على قارعة الطريق.
لكن اليوم تأتي ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترمب لتدفن هذه الجثة مرة واحدة والى الابد، اذ ان اسقاط القدس من الاجندة بصفتها التاريخية والدينية والسياسية وكرمز للسلام وجوهره وتسليمها بقرار احادي
الى الاحتلال وبذا يكون السلام سقط ايضا ولم يعد بالامكان بث الحياة فيه.
المشكلة ان المجتمع الدولي الذي طالما تشدق بقيم الحقوق وتقرير المصير، والقيم والحقوق العالمية وفي مقدمتها نبذ أي احتلال على وجه الارض، وان بقاء احتلال في القرن الحادي والعشرين مستمر منذ منتصف القرن الماضي، انما هو عار على الاسرة الدولية، التي طالما استخدمت المعايير المزدوجة و مازالت في القضية الفلسطينية ، وغالبا ما ترى هذه القضية من زاوية نظر الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، وان تجرأت ورأت الامور بعين الانصاف، فان الاقوال لا تتبعها الافعال ايضا وان كافة ادوات الدبلوماسية الدولية تبقى عاجزة ومجمدة عن فعل الحد الادني، بل ان الضمير الدولي يبقى على وضعية ( الصامت ) ليبقى الظلم والألم والاحباط وضياع الحقوق علامات فارقة تعبر عن عمق المأساة ومرادفات كلما ذكرت القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني على ترابه الوطني.
وفي هذه المرحلة وفي ظل هذه التطورات الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية ، وموت عملية السلام تماما، وبقاء المجتمع الدولي في حالة صمت ، وبلا ردود فعل تتجاوز الكلام الدبلوماسي، الممجوج ، فان على الاسرة الدولية ، ان لا تضيع الذاكرة ، وان لا تتجاهل حركة التاريخ وتطوراته ، وفيما يخص القضية الفلسطينية ، فان النظرة ستكون قاصرة جدا بالتزام الصمت ، لان الحديث عن الامن والسلم الدوليين يصبح ايضا ضربا من الترف ، في ظل هذا التجاهل الاعمى لماساة الشعب الفلسطيني والذي ولد الصراع العربي الاسرائيلي الطويل والذي طالما اطلق الشرر بتنامى الصراعات وتوالد الحروب وتلاحق الازمات واستشراء التطرف والارهاب والظلامية التي لم تجد بيئة او مرتعا انسب من هذه البيئة الهشة التي تسودها الفوضى وبالتالي قفز كل الاجندات السوداء لتختطف
القضايا العادلة التي بقيت بلا حلول ومحاولة التحدث باسمهما وارتكاب الجرائم تحت عناوينها.
بالحكم على السلام بالموت ، في هذه المرحلة ، ونقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس ، هو عمليا اطلاق مارد الصراع من القمقم مجددا ، واضفاء حالة من الاحباط وفقدان الامل ، بإحلال سلام عادل وشامل ، يضمن السلام والامن لكافة دول وشعوب المنطقة بما فيها اسرائيل، وما يتبع ذلك من تداعيات على بقاء المنطقة برمتها اسيرة لاجندات الحروب والصراعات والتطرف، واعادة انبعاث خوارج العصر لارتكاب جرائمهم النكراء بحق ابناء المنطقة والانسانية كافة ، بعدما خاض العالم كله تحت راية واحدة خلال السنوات الاخيرة حربا ضروسا، ضد الارهاب ودعاته وشبكاته، وبعد ان حقق العالم النصر على هذه الآفة كان الاجدى مواصلة التكاتف بذات السويةوالجهد لاقتلاع جذور التطرف والارهاب وانهاء البيئات التي يتغذى عليها واولها حل المظالم وانهاء الصراعات والحروب في المنطقة وفي مقدمتها حل القضية الفلسطينية بما يضمن الحقوق الفلسطينية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وهذا هو الطريق الوحيد لانهاء الصراع في المنطقة وغلق هذا الطريق وهدمه هو اغلاق لكل تلك الغايات النبيلة وابقاء الظلم على راس الاجندة.