بقرار الرئيس الاميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني الذي لم يكتب له الصمود اكثر من ثلاث سنوات، فان هذا الاتفاق عمليا بات جزءا من الماضي ، لانه في واقع الامر فان واشنطن وطهران هما الطرفان الاساسيان في الاتفاق وبينهما بدات المفاوضات السرية قبل سنوات ثم العلنية في حزيران من العام 2103 حتى توقيع الاتفاق في تموز من العام 2015 في حين لو ان المفاوضات فشلت انذاك بين الولايات المتحدة في عهد الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما مع القيادة الايرانية فانه ما كان لهذا الاتفاق ان يوقع اساسا ولما كان يمكن ان يستمر حتى للفترة القصيرة الماضية.
كما انه ومنذ وصول الرئيس ترمب الى سدة البيت الابيض فقد كان جليا ان هذا الاتفاق لم يعد قابلا للحياة وبقي في غرفة الانعاش الى ان لقي حتفه بالقرار الاميركي بالخروج منه ما يعني انهياراً كلياً له وان كان اتفاقاً مع مجموعة ولكن مرة اخرى كان انسحاب واشنطن او طهران او كليهما هو المهم وليس اي دولة اخرى طرفا فيه فبقية الاطراف كانوا اشبه بالشهود المباركين للعقد الذي انفرط بقرار اميركي احادي.
الدول الاوروبية بريطانيا وفرنسا والمانيا ومعهما روسيا والصين رغم الجهود المكثفة التي بذلتها خلال الفترة الماضية ، خاصة خلال زيارتي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والمستشارة الالمانية انجيلا ميركل ، الى الولايات المتحدة ولقائهما الرئيس ترمب بما يمكن تسميته جهد اللحظات الاخيرة ، لم تفلح بثني الرئيس الاميركي عن قراره ، خاصة بعد ان ضم الى فريقه مؤخرا الصقرين شديدي العداء لايران وللاتفاق النووي مايك بومبيو وزير الخارجية ومستشار الامن القومي جون بولتون، وربما كان من الخيال التصور ان اي اتصالات مع الادارة الاميركية ستصل الى نقطة لانقاذ الاتفاق النووي مع ايران باي شكل.
وقد اتضح مدى استحالة تلك المهمة هو اللغة الشديدة التي اعلن فيها الرئيس الاميركي الانسحاب من الاتفاق وما تبع ذلك من اجراءات اميركية فورية على كافة الصعد لتشديد الضغوط ليس فقط على طهران انما ايضا التلويح بالتهديدات لاي دولة تحاول اعتراض الطريق الاميركي في دفن الاتفاق النووي بلا رجعة.
ردود الفعل الدولية وخاصة الاوروبية التي جاءت قوية كلاميا على قرار الرئيس الاميركي ، بالانسحاب من الاتفاق ، انما هي في الواقع اقرب الى التعبير عن حالة الغضب والصدمة ، منها الى القدرة العملية على ارض الواقع ، لبث الحياة في اتفاق مات فعلا ، لان قرار الرئيس الاميركي خلق واقعا بالعودة الى المربع مع ايران ،فالمهمة الدولية والاوروبية باتت مستحيلة لاحداث تحول جديد لاحياء الاتفاق، فالواقع اثبت ان الملف النووي الايراني كان على الدوام ملفا اميركيا حصريا منذ بدايته حتى نهايته.
خلال الايام القليلة المقبلة سيكتشف العالم ان القرار الاميركي بالانسحاب من الاتفاق ، كان صافرة النهاية للعبة، وانه على ارض الواقع لم يعد هناك امكانية لاي مهمة لانقاذ اتفاق بات جزءا من الماضي ، كما انه لا بد من الاقرار ومن خلال الاحداث والوقائع التاريخية الكبرى ان اوروبا على وجه الخصوص ، ليست في وارد الانفكاك من التحالف الوثيق والمصيري مع الولايات المتحدة ، حتى وان وقعت اختلافات جوهرية في قضايا دولية محتلفة، وهو ما حدث بالفعل مرات عدة خلال السنوات والعقود الماضية مثل الموقف من غزو العراق في العام 2013، وفي
السنة الاولى من ولاية الرئيس ترمب الخلاف مع اوروبا جراء الانسحاب الاميركي من اتفاقية باريس حول المناخ، والقرارات الاميركية بخصوص الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة الدولية ومع اوروبا ذاتها ، فكل مرة كانت اوروبا تعود للدوران في الفلك الاميركي والحفاظ على تحالف ضفتي الاطلسي وعدم التفريط به فهذا غير ممكن ايضا.
هذا بالنسبة لاوروبا اما بالنسبة لروسيا والصين فان الخلافات متجذرة اساسا مع الولايات المتحدة في العلاقات الثنائية وازاء القضايا الدولية ، وفي عهد الرئيس ترمب مرشحة لاسوأ المراحل، حتى باتت هناك مقولة سائدة في الاوساط الاقليمية والدولية بانه حان الوقت الذي ينجح فيه رئيس اميركي -اي دونالد ترمب- بوضع ( بكين وموسكو ) في موقف موحد واقرب الى ( التحالف ) رغم الخلافات البنيوية السابقة بينهما.
ما بعد الاتفاق النووي الايراني ، هو الاخطر ، اذ انه بعد ان تهدأ عاصفة ردود الافعال ، فان التدهور سيتواصل وان نافذة الفرص ستضيق أكثر إزاء الحلول الدبلوماسية في الأزمات الدولية والاقليمية، بل ان التطورات وفي سياق الملف الايراني ستتسارع لتنزلق في نهاية المطاف الى مواجهة عسكرية باتت شبه حتمية.