من أشد المفارقات واكثرها اثارة في سياق الازمة السورية، ان كثيرا من الاهداف والاستراتيجيات تبنى على اساس معين، لتاتي النتيجة معاكسة، لما تم التخطيط له، وهذا الامر حدث مع الاطراف كافة منذ بدء الازمة السورية حتى هذه المرحلة التي دخلت فيها الازمة عامها الثامن، فكل من وضع يده في الحرب السورية اكتشف بعد جملة من الاحداث والتطورات الميدانية والسياسية، ان الرياح لم تجر كما تشتهي سفنه، بل انه في كثير من الاحيان اخذت عاصفة الازمة السورية هذه السفن في طريقها ووضعتها في قاع الازمة العميق، ليتحول الامر الى ورطة، تاخذ الاقدام الى عمق رمال حرب سوريا الطاحنة التي تعدد لاعبوها من الاقليم والعالم.
روسيا اللاعب الاول في الازمة السورية وصاحبة اليد العليا في ادارة الامور في السياق الاقليمي والدولي والميداني على الارض السورية، ألقت بثقلها في ايلول من العام 2015 لانقاذ النظام السوري، بتدخل عسكري حاسم غير الواقع على الارض ابتداء من معركة حلب، ولم تتردد موسكو في استخدام حق النقض الفيتو في مجلس الامن الذي وصل الى ( 11) مرة لتمكين الاستراتيجية الروسية القائمة على عودة نفوذها الى سوريا ومنها الى الشرق الاوسط، وهذا لم يكن ليحدث بدون ان تكون موسكو خلف النظام السوري وحلفائه بخاصة ايران على الساحة السورية.
بالتاكيد فان موسكو كانت وما زالت تعي ابعاد الحريق الكبير المشتعل في سوريا، وتدرك انها يجب ان تخرج من دور المتدخل الى دور الوسيط، بعد ان احرزت اهدافاً رئيسية للتدخل، اولها اخراج النظام السوري من دائرة الخطر المباشر ومن ثم تحقيق اهدافها الاستراتيجية ببناء القواعد الجوية والبحرية في حميميم وطرطوس وكذلك نشر نظام اس 400 فائق التطور لحماية مصالحها وقواتها وقواعدها في سوريا من اي انعطافات للازمة السورية وهي كثيرة ولا يمكن التنبؤ بها وبمدياتها والمواجهة الاسرائيلية الايرانية في سماء سوريا في شباط الماضي كان اشارة حمراء كبيرة للاشتعال الذي كان يمكن ان يجتاح الشرق الاوسط في لحظة خارج الحسابات في الحرب السورية.
وهنا تكمن المفارقة الكبيرة ففي الوقت الذي دفعت روسيا بكل تدخل ممكن عسكري واستراتيجي خلف النظام السوري وايران التي احتاجب موسكو قوتها الميدانية على الارض لعدم التورط باعداد كبيرة من الخسائر البشرية على الارض السورية، فان هذا الدفع وهذا الثقل خلف النظام وطهران، ولد نتيجة غريبة، هي انه كلما تمكن النظام ومن خلفه طهران على الارض السورية حاول الطرفان التمايز عن الاستراتيجية الروسية، وكلما خلقا لها تحديات واشكالات في الميدان وعلى المستوى الاستراتيجي، وكلما وضعا قواعد اللعبة الروسية في مهب الريح وتصرفا على اساس انهما يملكان استراتيجية خاصة بالازمة ليس شرطا ان تتطابق مع الاجندة الروسية بل في مفاصل اساسية تتعارض معها وتهددها وهذا حصل في الميدان العسكري وايضا في الميدان السياسي.
النظام وطهران بالواقع العملي رفضا نتائج مؤتمر سوتشي ويذهبان الى الحسم العسكري بدل السياسي، ويتابعان قضم الاراضي تباعا على اساس الحسم العسكري دون بناء افق سياسي، حتى ان مناطق خفض التوتر وهي فكرة روسية اساسيا، تتعرض للتدمير والهجوم والتصفية كما في الغوطة الشرقية، وجنوب ادلب، وليس مستبعدا استكمال هذه الاستراتيجية على بقية المناطق في المرحلة القريبة المقبلة، فيما ان مسار جنيف السياسي الذي تبدي موسكو الرغبة بالمضي به قدما واستمرار الامساك بمسار الازمة، يضعه النظام وظهران في ذيل الاجندة، ولا يكاد يكون هناك افق للحل السياسي في الامد القريب وربما لسنوات طويلة.
خيارات روسيا في خضم هذا المشهد تبدو محدودة سياسيا وعسكريا، فهي اعلنت النصر وسحب الجزء الاساسي اكثر من مرة ثم عادت الى الحرب بقوة، وعقدت مؤتمر سوتشي ولم ينتج شيء يذكر، ومناطق خفض التوتر امام الانهيار عمليا، كما انها لا تستطيع العودة الى مسار جنيف باجندة معقولة تقارب الحل، فبينما كان التشدد ياتي من المعارضة اليوم لا تستطيع موسكو فرض او اقناع النظام وطهران بالحلول بذات الوتيرة في بداية التدخل الروسي في العام 2015، وهذا الامر محط مراقبة القوى المناهضة للاجندة الروسية الاقليمية والدولية وان لم يكن لدى موسكو مقاربة قريبة وجوهرية تعيد التوازن لاستراتيجيتها فانه لربما تغرق هذه الاستراتيجية في رمال الحرب السورية ليتبدل موقع اللاعب الاول في الازمة الى متورط يدفع الثمن لانه لم يذهب الى اعتماد منطق قوة الحل في الوقت المناسب مثلما ذهب الى حل القوة عندما فرضت موسكو تدخلها الشامل في الحرب السورية.