حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي كنا نخاطب العالم والغرب ونقول ان مشكلتنا الرئيسية والوحيدة التي تمنعنا من استئناف رسالتنا السلمية التاريخية هي قيام دولة اسرائيل. كنا نقول اننا امة عربية واحدة بعقيدة ولغة واحدة وتاريخ مشترك وتطلعات نحو مستقبل حضاري إنساني.
هذا ما كنا نقوله، اما اسرائيل فكانت تخاطب العالم والغرب بالتحديد وتقول انها ليست المشكلة الحقيقية للعرب وان المجتمع العربي المشرقي يزخر بالقضايا والتناحر والعداوات العقائدية والقومية والمالية وغيرها وان الزمن كفيل باثبات ذلك.. فالفتن كامنة كالجمر تحت الرماد: قومية وطائفية ودينية ولغوية وغير ذلك وانها ستبرهن للعالم ذلك مستقبلاً.
لو كنت مؤرخاً لتاريخ منطقتنا منذ نهاية الحرب العالمية الاولى والى يومنا هذا، واكتب من منظور القرن السادس والعشرين، لأكدت ان كلا الخطابين العربي والصهيوني كانا على حق حيث لا بد من التأكيد ان اسرائيل والصهيونية كانت وستبقى التحدي الرئيسي للعرب وقوميتهم ووجودهم وهو امر انتبه له الكاتب الفلسطيني نجيب عازوري عام 1904 حين اكد ان مصير العرب ووجودهم مرتبط بالاطماع الصهيونية ومصير ارض فلسطين.
ولكن لا بد من التأكيد كذلك ان الخطاب الصهيوني للغرب تحديدا ان العالم العربي يعج ويزخر بالقضايا والاسئلة والمشاكل والفتن وأن الزمن وحده كفيل بإثبات ذلك كان خطابا صحيحا كذلك.
اما الفرق بيننا وبينهم فكأنهم يقرأون ويكتبون ويبحثون ويدققون ويدرسون ويتناقشون ويفهمون بعضهم البعض، وبالطبع يصلون الى نتائج يستمع قادتهم لأصوات شعوبهم والى مثقفيهم. اما نحن...؟
تجد عندهم نقاش صحي وجدال حول الامور الحياتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلاف ما هو موجود في معظم مجتمعاتنا العربية التي لا رأي فيها الا لرأس الدولة الذي لا تنضب حكمته اذ هو الموجه والراعي والاداري.
درسوا وما زالت مراكز البحوث عندهم تدرس تركيبة مجتمعاتنا العربية بحثاً عن مكامن الضعف او المداخل التي تمكنهم من التغلغل جوفها لتفجرها من الداخل. وجدوا ان نظام المِلل والنِحل الذي وصلنا عبر الامبراطورية العثمانية والذي هو من اروع سمات الحضارة العربية الاسلامية الذي سمح ببقاء «الآخر» وبالعيش المشترك وقبول الآخر للآخر بسلام، سهل الاختراق لمن يرغب ايقاظ الفتن وتغذية النعرات الطائفية حتى داخل الدين الواحد. وجدوا القبلية والقومية والجهوية والطائفية وهو ما سهل اختراق لبنان والعراق وسوريا واليمن وليبيا وحتى مصر.
ما ان انتهت حرب 1967 التي تلتها حرب 1973 بما انتهت اليه هذه الحروب والتي هي من منظور التاريخ ما هي الا حرب واحدة بدأت عام 1967 تلتها هدنة ست سنوات تبعتها حرب رمضان لفتح قناة السويس حتى اخذ العقل الصهيوني يعمل بعمق وجدية ليثبت لعالم الغرب انهم ليسوا مشكلة العرب الوحيدة او الرئيسة.
كان للانتصار الكبير لحرب الست سنوات 1967- 1973 آثار عميقة على النفسية والسيكولوجية الصهيونية لم يتوقعها حتى علماؤهم آنذاك. وقادت نشوة الانتصار الى نوع من الاغتراب عن الواقع وكأنما اكدت لإنسانهم انهم فعلا امة منتقاة وانهم شعب الله المختار وان اسرائيل بلد الانسان الخارق السوبرمان الذي لا يقهر: احساس يشابه الى حد كبير حال الهستيريا الجماعية التي اصابت الشعبين الالماني والايطالي قبيل الحرب العالمية الثانية. والا فكيف لنا ان نفسر تصرف هذين الشعبين الوحشي وشبه البربري الذي لا علاقة له بتاريخهم المجيد في حقول الادب والفن والموسيقى والتقدمية الحقيقية لتطور الانسانية، مقابل الاحساس بالعظمة ونشوة الانتصار خيمت على العالم العربي سحابة سوداء ما زالت تزداد ظلاما وظلامية كل يوم اذ فقدت معظم الانظمة العربية الثقة بنفسها واخذت تتصرف على الشاكلة التي اوصلتنا الى الحال الذي نحن فيه.
وفي نشوة الانتصار كررت رئيسة وزراء اسرائيل مقولة «اين هم اهل فلسطين؟.. لا يوجد فلسطينيون» ويقول مناحيم بيغن بعد ذلك ان العرب حيوانات تسير على قدمين وتتالت عشرات التصريحات العنصرية من دايان وباراك واولمرت ونتانياهو وغيرهم من القادة الاسرائيليين.
من هذا المنظور المنسلخ عن الواقع بدأ بعض ساستهم ومفكريهم وصانعي قرارهم البحث عن مكامن الضعف في مجتمعاتنا العربية لتفتيتها، انتبهوا مثلا الى فردانية الانسان العربي التي تصل حد الانانية المتوحشة فيقول احد قياداتهم المدعو رفائيل ايتان الذي كان في اعقاب حربي 1967 و1973 رئيسا لاركان الجيش الاسرائيلي ان العرب «كالصراصير» لا بد من التضييق عليهم وحشرهم في زجاجة ليتدافعوا للخروج من عنقها فيقتل بعضهم البعض الاخر في محاولتهم الخروج منها، وتقول احدى الدراسات التي نشرت في اسرائيل ان العنصرية هناك تزداد على ما يبدو من سنة الى اخرى حيث تم نشر حوالي 000ر280 عبارة عنصرية ضد العرب على قنوات التواصل الاجتماعي سنة 2015 ارتفعت الى 000ر675 عبارة عنصرية سنة 2016.
ويقوم احد موظفي وزارة الخارجية الاسرائيلية عودد يينون سنة 1981 بنشر دراسة عن ضرورة تفتيت دول العالم العربي الى دويلات صغيرة لتبقى اسرائيل الدولة الكبيرة المهيمنة على المنطقة وهي السنة التي تم فيها عقد حلف استراتيجي مع الولايات المتحدة الاميركية يزداد متانة وعمقا مع مرور الزمن، وهي السنة التي قامت بها الحرب الايرانية العراقية التي لم تضع اوزارها بعد.
قبل حرب السنوات الست 1967–1973 كانت اسرائيل تتظاهر بانها تريد السلام فكان العرب يمانعون وبعد تلك الحرب التي كشفت ابعاد الوهن العربي وارتداد العرب على العرب يقوم العرب باطلاق مبادرات الصلح واسرائيل ترفض، نحن نعتمد على غيرنا وعلى ما يسمى بالقانون الدولي وهم يعتمدون على القوة وخلق الحقائق على الارض.
لا ادري كيف سينتهي الامر في العراق فهل ستبقى موحدة وكذا الامر في سوريا التي اعتقد ان امرها في غاية التعقيد حيث احسب ان الحرب فيها قبل سبع سنوات ما قامت الا بسبب رغبة اسرائيل في تفكيكها تمهيدا لسيطرتها على الجولان، الحرب في سوريا قامت بسبب الجولان وموقعه العسكري على صعيد المنطقة وما فيه من مياه وارض زراعية وسياحية ستضمن لاسرائيل جل ما تريد.
السؤال الحقيقي الذي لا بد لنا ان نطرحه على انفسنا والعالم هو «ما الذي تريده اسرائيل؟ والى اين تقود المنطقة» حيث لم يعد يأبه احد على صعيد المنطقة من ترك وكرد وفرس ولا على صعيد العالم بما نريده نحن.
صحيح ان اسرائيل/ الغرب تريد لنا المزيد مما نحن فيه ولكن صحيح كذلك اننا نساهم بذلك بقوة.
خواطر حول حال العرب وإسرائيل
11:30 13-10-2017
آخر تعديل :
الجمعة