بالمحصلة فان ازمة كبرى جديدة اندلعت في المنطقة باجراء الاستفتاء في كردستان العراق -بصرف النظر عن النتيجة التي الت اليها وكانت متوقعة بانه سيتم التصويت
باغلبية كبيرة لصالح الاستفتاء–وهي ازمة لن تكون تداعياتها حصرا على العلاقة بين اقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد هذه العلاقة التي دخلت مرحلة ازمة كبرى وافتراق وستكون الايام المقبلة حافلة بالتطورات في سياق هذه العلاقة التي باتت على طرفي نقيض بل وان ما يزيد الازمة خطورة ان دول الجوار خصوصا تركيا وايران اعلنت الرفض المطلق لخطوة الاستفتاء التي جرت ملوحة ان الازمة لن تكون بعيدة عن التدخل العسكري كاحد الخيارات لالغاء
الواقع الجديد الذي فرضه الاكراد الذي يمهد للانفصال عن الدولة الام العراق وترى فيه تلك الدول نزعة انفصالية تهدد امنها القومي من الداخل خصوصا
وان ثلاثين مليون مواطن كردي يعيشون في تركيا والعراق وسوريا.
السؤال لم يكن أن كانت ( الازمة الكردية ) ستنفجر بل متى ؟ فكانت المسألة مجرد وقت وتوقيت لحدوثها وانفتاحها بهذا الشكل الخطير والذي بات يشغل دول العالم المختلفة ، لتضاف هذه الازمة الى قائمة الازمات المستفحلة الاخرى في المنطقة في سوريا وليبيا واليمن وقبل كل هذه الازمات القضية المركزية الاولى ولب الصراع في المنطقة القضية
الفلسطينية وكأن قدر هذه المنطقة انها ولادة ازمات وصراعات وحروب وانه كلما ظهرت بارقة أمل بإمكانية
التحرك لحل أي أزمة تندلع ازمة
جديدة تستنزف المقدرات والدماء وتجعل المستقبل اكثر قتامة بلا افاق للحلول بل البقاء في طور ومربعات ادارة الصراعات لا الدخول
في اطوار حلولها والانتهاء منها.
وللاسف فان حالة الفشل التي تسود المنطقة تكررت في إخفاق كافة الاطراف بمنع اندلاع الازمة الجديدة ،
و هي الازمة الكردية التي سريعا ما تحولت من ازمة عراقية داخلية متصاعدة ، الى ازمة اقليمية تنذر بتصعيد كبير ، وهي مؤهلة ان تدخل في طور التدويل خلال المرحلة القريبة المقبلة ، وان كان المجتمع الدولي باغلبيته كان قد طلب من قيادة اقليم كردستان عدم الذهاب الى الاستفتاء ، الا ان الدول الفاعلة وصانعة القرار على الساحة الدولية مثل كل ازمة سابقة وقائمة في المنطقة لم تقدم اكثر من الكلام والجهود والوعود دون افعال مؤثرة تخلق نقطة لقاء في منتصف الطريق لكافة الاطراف ليتحول الخلاف الى ازمة والازمة الى حرب والحرب الى
صراع طويل يضاف الى قائمة الصراعات المزمنة في منطقة تاريخها وحاضرها متخم بالازمات والصراعات التي طالما شكلت تطوراتها ومراحلها
علامات اخفاق للسياسة الدولية وغياب الحكمة والمسؤولية في وضع مقاربات وقائية قبل اندلاع الازمات او حتى علاجية جادة للتوصل الى حلول لها بعد اندلاعها.
وكل مرة يثبت ان مقولة ان ( ازمة تلد اخرى ) هي سمة المنطقة وانها ليست مقولة بعيدة عن السياق بل هي ذات صلة بتطور الاحداث والازمات السابقة ، وجذورها ففي الوقت الذي شهد فيه العراق ازمة طويلة ، وجرى فيه تدخل واحتلال فان هذا البلد العربي المحوري العريق والمركزي في المنطقة تم تركه في اليوم التالي للاحتلال بلا حل ، حتى دخل في ازمة طاحنة وممتدة شهدت كافة انواع الصراع بقسوتها وتداعياتها وتدخلات اقليمية ودولية فضلا عن مراحل الصراع المرير مع افة الارهاب إلى أن وصل إلى حالة الانهاك ثم لحقت به سوريا بعد نحو عقد من الزمن ليدخل ايضا هذا البلد العربي الكبير في دوامة الصراع وتحوله بالمحصلة الى دولة فاشلة ومرتع للصراعات والاستقطابات الاقليمية والدولية وايضا ايغال الارهاب فيه واستخدام جزء واسع من اراضيه
اوكارا لبث الفكر الضلامي ونقل الجرائم الى خارج الحدود لتطال كل مكان امكنها الوصول اليه.
هذا المسار الكارثي للازمتين في كل من العراق وسوريا الحق قبل كل شيء الدمار الهائل بمفهوم الدولة ، الذي كان يشكل وعاء وطنيا جامعا لكافة ابناء البلدين على مدى تاريخ طويل ، وشاعت المظالم ، وتقاتل
ابناء الشعب الواحد في معركة مؤلمة وباهضة الاثمان ، وتعمق مفهوم المحاصصات وغياب المؤسسات الوطنية وانهيارها ، بل ولم يتم النجاح الكامل باعادة تشكيلها على اسس وطنية ، ولم تنجز مصالحة وطنية شاملة تؤسس لعمليات سياسية لمستقبل البلدين تشمل كافة ابناء الشعبين وذلك بناء على الافتراق الهائل بين المكونات جراء الصراع الذي وقع وجراء تباين شاسع في الاجندات وقد لعبت التدخلات الاقليمية واجندات النفوذ الدولية عاملا حاسما ومغذيا للازمات واستدامتها على حساب البلدين والدولتين وشعبيهما ومقدراتهما وحتى على الجغرافيا والديمغرافيا التي اصبحت بحكم الامر الواقع وكانها
ستقود الى اتجاه بمسار واحد بتحركات الانفصال والتقسيم كما يحدث في اقليم كردستان في هذه المرحلة وليس بعيدا عنه السيناريو المرتقب في سوريا.
والاسئلة الكبرى اليوم ، هل بات الانفصال والتقسيم في العراق وسوريا هو الخيار او السيناريو الوحيد ؟ وهل هو شبح لا مفر منه بحكم الامر الواقع ؟ والى اي سياقات ستذهب القوى الاقليمية في رود فعلها على هذه التطورات خصوصا بالنسبة للمسالة الكردية اذ تضم كلا من تركيا والعراق وسوريا نحوثلاثين مليون مواطن كردي يرون ان لهم حقا تاريخيا في تقريرالمصير في حين ترى هذه الدول ان هذه نزعة انفصالية تهدد الامن القومي لتلك الدول من داخلها لا يمكن ان تسمح بحدوثة ؟ ام ان العربة الاولى التي انطلقت من اقليم كردستان بالاستفتاء على الانفصال فضلا عن انها ذهبت بعيدا فانها ستجر عربات في دول اخرى خصوصا سوريا الى ذات المصير ؟ اجابات هذه الاسئلة برسم قادم الايام غير البعيدة وان كانت المرحلة المقبلة ستشهد ميلا الى الحل الذي يشكل الأقل مرارة بالنسبة للجميع وهو الإتجاه لاعتماد (الفيدرالية ) كحل اسلم من التقسيم المدمر.