عمر خليفة - قد لا يكون دقيقا في النقد تناول عمل درامي لم ينته عرضه بعد على الشاشة، لكن مسلسل التغريبة الفلسطينية، للمبدع د. وليد سيف والمخرج حاتم علي، يثير في النفس أسئلة ومشاعر لا تستطيع إلا أن تفصح عن ذاتها. وقد غدا د. سيف من الكتاب الذين يكون وجودهم سببا رئيسا في جذب المشاهد للعمل الدرامي بعيدا عن سطوة النجم الممثل، مثله في ذلك مثل الكاتب المصري أسامة أنور عكاشة، وقلة آخرين. وهذا العمل هو التعاون الرابع على التوالي بينه وبين المخرج السوري حاتم علي، بعد «الناصر صلاح الدين» و«صقر قريش» و«ربيع قرطبة».
وأول ما يلحظه المشاهد في هذا العمل هو أنه ينطق باللهجة المحكية الفلسطينية، خلافا للأعمال الثلاثة سالفة الذكر. فالممثلون هنا يتكلمون اللهجة التي تعبر، كأفضل ما يكون، عن أحاسيسهم ومشاعرهم في سياق العمل، وهي اللهجة الفلسطينية. وربما يخطر في الذهن أن الفرق في استخدام العامية والفصحى سينحصر أثره في مدى إتقان الممثلين لها، خصوصا أن اثنين من الممثلين الرئيسيين ( جمال سليمان وخالد تاجا ) سوريا الأصل. والحق أن اقتراب الممثلين السوريين من اللهجة الفلسطينية كان جيدا إلى درجة كبيرة، وإن كان العارف بتلك اللهجة يشعر أحيانا باختلاط الأمر على الممثل بين لهجته السورية الأصلية واللهجة الفلسطينية.
لكن الاختلاف الأهم بين استخدام الفصحى والعامية يجتاز مسألة إتقان الممثل إلى مشكلة أكثر أهمية، وهي مدى استعداد العامية لتحمل المدلولات الفكرية والرسائل الأيديولوجية التي يسعى الكاتب لإيصالها. والذي تابع مسلسلات د. سيف السابقة كان يشعر أحيانا أن الفصحى التي ينطقها الممثلون كانت آراء الدكتور نفسه وإسقاطاته الخاصة على تلك المرحلة من الزمان، وهو ما لا نحس به هنا في التغريبة الفلسطينية، لأن اللهجة العامية لا تتسع لحمل أفكار فلسفية أو طروحات تتجاوز معارف الناطقين بها بمراحل.
يفتتح المسلسل بمشهد نستنتج منه الثيمة الأساس لهذا العمل، وهي التي جعلتها عنوانا لهذا المقال، وهذا المشهد مشهد بعدي على المستوى الزمني، إذ نرى فيه (علي) راجعا من سفره حين علم بوفاة أخيه أحمد ( جمال سليمان )، ونسمعه يحدث نفسه بأن أحمد من الأبطال الذين لا تحفظ سيرتهم إلا بطون الكتب وذاكرة الناس، وهو يتساءل عن الذي يستطيع أن يتذكر هذه الشخصيات ويذكّر (بتشديد الكاف) غيره بها. فكأن الكاتب يطرح منذ البداية المشكلة التي يتصدى هو شخصيا لها، وهي إعادة الاعتبار لكل المناضلين والثوار الفلسطينيين المجهولين، الذين قضوا حياتهم في العمل الكفاحي، لكنهم لم يدخلوا دائرة الضوء، ولم يصبحوا نجوما يتغنى التاريخ بهم. فالثوار، كأي فئة أخرى في المجتمع، فيهم نخبة، أو أوهام نخبة كما سماها علي حرب، تقرع أسماؤهم آذان الناس وتشكل وعيهم. لكن الآخر، الهامش، الذي لولاه لما غدا ذاك النخبوي نجما، فإن أحسن ما يقال عنه إنه تابع أو معاون. وهذا ما أراد الكاتب، في رأيي، قلبه وتغييره. لذلك تعمّد صناع العمل ألا يسلطوا الضوء على الأسماء الكبيرة في تلك المرحلة، حتى إننا لم نر من يؤدي دور فوزي القاوقجي الذي سمعنا اسمه فقط دون أن نشاهده، ولم نر عزالدين القسام إلا في مشهد واحد. وقد كان بإمكان الكاتب، لو أراد، أن يقدم التغريبة الفلسطينية عبر نموذج نضالي بارز، لكنه في اختياره الجميل هذا للشخصيات الهامشية ذكرا، العميقة أثرا في التاريخ الثوري، يوجه تحية واحتراما لكل الأبطال الذين اختاروا الوطن قبل أن يختاروا أنفسهم.
ولأن العمل لا يقصد إلى تحديد منطقة بعينها في فلسطين، فإنه لجأ إلى التعميم في اختيار أماكن الأحداث، حتى إننا لم نعرف اسم القرية التي تجري فيها هذه الأحداث، فقد رأينا في الحلقة الأولى عبارة (قرية فلسطينية) هكذا دون تسمية على شاشة التلفاز. وهي إشارة، مرة أخرى، إلى عمومية الثورة وشمولها لكل مناطق فلسطين. فالقرية هنا نموذج لكل القرى الفلسطينية التي قدمت الكثير من التضحيات في مسيرتها النضالية.
اختار الكاتب أن تبدأ أحداث المسلسل في بداية الثلاثينات، ولأن المسلسل يغطي مراحل طويلة من النضال الفلسطيني، فقد لجأ الكاتب، كعادته، إلى استخدام راو للأحداث، يكثّف الزمن ويختصره حتى لا يصبح المسلسل مجرد مشاهد يومية مكرورة، ويعلق أحيانا على أحداث بعينها تخصه وعائلته أو تخص مجمل النضال الفلسطيني. والراوي هنا هو علي، الابن الأصغر لعائلة صالح الشيخ يونس (خالد تاجا). وهو يروي بصوت الرجل الذي لم يظهر بعد، وهذه الرواية هي الحالة الوحيدة التي نسمع فيها إلى اللغة الفصحى في هذا العمل. لذلك نشعر باختلاف كبير في مستوى المضمون بينها وبين سائر لغة المسلسل، وقد يكون في ذلك إشارة إلى ما سيحوزه عليّ في المستقبل من ثقافة ومستوى تفكير عال.
ما يحسب للعمل أنه حاول تصوير الواقع الفلسطيني في تلك المرحلة بتفاصيله الإنسانية الصغيرة، بعيدا عن الدعائية والمبالغة التي لا تقنع أحدا. فهو يصوّر العيوب التي كانت منتشرة في الريف الفلسطيني، خصوصا مسألة بيع الأراضي لليهود. كما يسلط الضوء على دور العشيرة أو الحمولة في تعزيز مكانة العائلة التي تنتمي إليها. والعشيرة هنا هي ذات القبيلة التي رأينا أثرها موضوعا أساسا في أعمال وليد سيف السابقة، خصوصا صقر قريش وربيع قرطبة. فهي دوما وسيلة، وسبب، صراعات وخصومات لا تنتهي. المهم أن الإنسان الفلسطيني في هذا العمل ليس ملاكا، والمجتمع الفلسطيني في تلك المرحلة كان كغيره من المجتمعات، مليئا بالمثالب التي ربما ساهمت، بدرجة أو بأخرى، في إضعاف مشروع الثورة على المحتل. والثوار لم يكونوا كلهم حاملين هم الوطن أساسا، بل منهم من كان يسعى إلى مجد شخصي، كما نرى في شخصية الإقطاعي أبو عزمي ( جميل عواد ). ولا يغفل العمل الاهتمام بثيمة الحب، بل ربما ما يزيده جمالا هو جمعه بين العشق والثورة في بعض الشخصيات، إذ إن الإنسان إنسان في النهاية، والثورة لا تقضي على الأحاسيس، بل تزيد من اشتعالها، لأن أجواء الحروب تتطلب صورة  حبيب في الذهن تخفف من بأسها وشدتها. ولعل من أجمل مشاهد المسلسل حتى الآن مشهد (عبد) وهو يطلب يد حبيبته خضرة من أخيها جمال سليمان أثناء اشتداد إطلاق النار بين الثوار والإنجليز، والمشاهد المتكررة للثائر السوري مفكرا في حبيبته التي تركها وراءه في سوريا واشترى بمهرها بارودة ليلتحق بالجهاد في فلسطين.
ومع أن المشاهد الذي يرغب في نقد العمل يحاول أن يكون محايدا أثناء حديثه عنه، فإن طبيعة الموضوع وعرضه في هذا الوقت بالذات يشعل المشاعر ويجعلك مزيجا من الألم والافتخار، خصوصا حين ترى اهتمام المسلسل بعرض الثوار العرب الذين جاءوا من أقطار متعددة كسوريا والعراق للمشاركة في الثورة الفلسطينية، وأنا قلت بداية إن نقد أي عمل فني قبل اكتمال عرضه يظل ناقصا بالتأكيد، لذلك تظل هذه الكلمات مجرد انطباعات أولية عن هذا العمل، ولربما تتكشف لنا مع مضي الحلقات أحداث تخالف ما قلناه هنا من تحليل. وتبقى الإشارة إلى أن الممثلين كانوا غاية في الروعة، خصوصا خالد تاجا الذي أبدع في أداء دور الرجل العجوز المقهور، الذي يرضى بالأمر الواقع أحيانا مع ظلمه لأنه لا يستطيع دفعه أو منعه، على العكس تماما من شخصية ابنه الكبير أحمد (جمال سليمان) الذي مهّد العمل بأحداث تكشف عن طبيعته الثائرة المتمردة، وهو ما سيزداد وضوحا مع الأيام.