أبواب - وليد سليمان

غاب عنا منذ «37» عاماً.. وظل هذا الصوت الغنائي الساحر «عبده موسى» محفوراً في وجدان المستمعين والذواقة للفن والتراث الأردني الأصيل:
« سافر يا حبيبي وارجع
لا تطول بالله الغيبة
والدَّار بعدك أظلم
والله أعطاك الهيبة
قلبي يحبك ويريدك
وشْ طالع بيدي وبيدك
مدري المحبّة من الله
والاّ فراقك عاضيدك».
ونتذكر بشغف كذلك أغانيه الأخرى ومنها الوطنية مثلاً:
«يا مرحـبا يا هلا منينِ الركب من وين
أقبل علينا الضحى يا زِينة إقباله
حنا ذعار العِدا طلابةً للدينْ
حنا نشامى الوطن حنا جنود حسين
ربع الكفافي الحمر والعُقل مياله».

مطرب الصحراء العربية
في العام 1968 وعلى أشهر مسارح لندن – بريطانيا قدم الفنان وصلة غنائية أردنية بمرافقة ربابته العزيزة، وكان يشترك في هذا الحفل عدد من نجوم الطرب العربي ومنهم الفنان الشهير عبدالحليم حافظ.. وأثناء تجوال عبدالحليم في غرف الفندق هناك سمع عبده موسى يدندن ويغني كتمرين استعداداً لتقديم فقرته الغنائية .. فأعجب عبدالحليم بصوت عبده موسى وبشكل مذهل حتى انه قال له: سوف أقدمك أنا شخصياً لجمهور المسرح الأجنبي والعربي المتواجد هناك: وكان من الكلمات التي قدم بها عبدالحليم عبده موسى قوله: «أما الآن فأقدم لكم مطرب الصحراء العربية وأمير الربابة الفنان عبده موسى  .
و في بداية العام 1977 كان عبده موسى قد زار «البحرين» وهناك غنى بعض أغانيه، مع العزف على الربابة والتي لاقت إعجاباً متقطع النظير، وكان من ضمن فقرات الحفل الأخرى عدة أغان قدمها المطرب السعودي الشهير «محمد عبده» حيث عقد الاثنان صداقة ومحبة وإعجاب متبادل.. مما حدا بالفنان عبده موسى أن يدعوه للغناء في بلده السعودية.. لكن القدر كان أسرع من تلبية الدعوة حيث توفي الفنان عبده موسى في منتصف تلك السنة 1977.
«ليت المنايا من تجي يا سلامة
تحوم ع الأنذال دار ودار
ويطول عمرك يا حفيظ السلامة
عز الأهل والجار
يا أبو المكارم وما عليك الملامة
اللوم يغشى الخاين الغدار
خلي العدا بحسراتها والندامة».

الفقر والتواضع وحب الوطن
عبده موسى هذا الصوت الأردني البهيج والمدهش وفنان الشعب، كان في فترة طفولته يتيماً وأُمياً – تعلم القراءة والكتابة في الكِبر – وعاش الحرمان، لكنه كان قوي الشكيمة قنوعاً، اعتمد على نفسه وعلى حسه وموهبته الغنائية، وعلى ربابته الحزينة والمفرحة إذا أراد!! ومع ذلك فقد قدم لوطنه الأردن وأهله ومستمعيه أجمل الألحان والكلمات بصوت شعبي قوي واثق، وأسهم في تأصيل التراث الأردني الغنائي أيما إسهام خالد.
تجول في الريف والبادية والمدن الأردنية من شمالها إلى جنوبها، كذلك في بعض مناطق فلسطين في بداياته وهو ما زال شاباً صغير السن.
وربابة  عبده موسى لازمته طوال حياته وكانت رفيقة مشواره الطويل، حيث نال ذات مهرجان في تونس جائزة أحسن عازف آلة شعبية!!!.

ملكة بريطانيا وشكسبير
وفي العام 1973 طلب من الفنان الكوميدي هشام يانس أن يقدم عبده موسى أمام جلالة المغفور له الحسين بن طلال وجلالة الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا في بيت شَعر (شق) أشبه بالصيوان، أقيم بجانب البحر الميت، فما كان من هشام يانس إلا أن قال:»أصحاب الجلالة والفخامة .. لقد خلف وليم شكسبير ربابته وتركها هنا في الأردن.. فجاء عبده موسى والتقطها واستمرت مسيرة الإبداع !!.

كيسنجر والربابة!
وكان المغفور له الملك الحسين بن طلال من أشد المعجبين بفن عبده موسى، فقد استمع لعزفه وغنائه في مناسبات عديدة.. وكان يسره تقديم عبده موسى لكبار ضيوف الأردن، حيث قدمه في إحدى المرات لوزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر عندما جاء إلى الأردن، وقد استمع كيسنجر له وأعجب بعزفه على الربابة .. وداعبه حينها بقوله: « آلة الربابة البسيطة بوترها الوحيد آلة ساحرة ولا يتقنها إلا عازف ساحر مثلك».

حسين عبده موسى
وفي لقاء «أبواب  مع حسين عبده موسى أحد أبناء الفنان والذي ألف وأعد كتاباً عن حياة ومسيرة والده عبده موسى قال: كان والدي يصنع رباباته بنفسه حسب مواصفات خاصة به، حيث وجه الربابة يصنعها من جلد السمك، وخيط القوس من شعر الخيل العربي الأصيل، وذات مرة أحضرت المطربة سميرة توفيق لوالدي من لبنان جلد سمك خاص لربابته.
وعن تلحين أغاني عبده موسى أكد حسين عبده موسى إن والده كان يلحن معظم أغانيه بنفسه، وفي مرات أخرى كان يلحن الأغاني للآخرين ثم يأخذون اللحن ليستخدمونه على آلاتهم الموسيقية الأخرى!!.
وهناك من أطلق على عبده موسى تسميات وألقاب فنية منها مثلاً: ملك العزف على الربابة، أمير الغناء العربي التراثي الأصيل، مطرب الصحراء العربية، أحسن عازف على الربابة، وعندما توفي عبده موسى قال شاعرنا الكبير حيدر محمود: «لقد فقدت الربابة فارسها الوحيد!!».
لذلك فقد كان لعبده موسى الفضل الكبير في نقل هذه الآلة الشعبية من بيئتها في البادية الأردنية إلى أهم المسارح العالمية والعربية.. بعد أن كانت وسيلة ترفيه وطرب وحزن أيضاً، وهي وسيلة فنية واجتماعية ونفسية ضرورية في مجالس البدو التي تزهو بالقهوة العربية وصوت الرباب الرزين.

كلمات وأصوات وألحان
وصاحب هذه الحنجرة المتميزة بعذوبتها عبده موسى، كان يمتلك صوتاً شجياً مليئا بالإحساس والعاطفة، حيث كان يعطي لكل كلمة حسها المطلوب حسب معناها.
وقد غنى من أشعار وكلمات مشاهير المبدعين في هذا المجال منذ منتصف الخمسينات وحتى منتصف السبعينات تقريباً ومنهم مثلاً:
رشيد زيد الكيلاني، حيدر محمود، حسني فريز، عبدالرحيم عمر، سليمان المشيني، ابراهيم مبيضين، عساف الظاهر، محمود المطلق، محمد وهيب، علي السمير.. وغيرهم.
وغنى كذلك للملحنين من امثال: توفيق النمري، جميل العاص، روحي شاهين، اميل حداد، انطون شمعون، محمد الادهم، رامز الزاغة، وغيرهم.
وغنى (دويتو) ثنائياً مع المطربات: سميرة توفيق، سلوى العاص، سهام الصفدي، غادة محمود، عايدة شاهين، وهيام يونس، سماهر... الخ.
وهناك كذلك الشخصيات السياسية والإعلامية الشهيرة التي شجعته وأتاحت له الفرصة للتطور والتقدم والانتشار وربما كتابة بعض كلمات الأغاني من مثل: هزاع المجالي، وصفي التل، نصوح المجالي، صلاح ابوزيد، عبدالحميد شرف. حيث غنى معظم الألوان من البدوي والريفي والديني والوطني والغزلي والزراعي والتربوي والحماسي. وكان يركز في أغانيه على الحب والشهامة والكرم والنخوة وأمجاد الوطن والجيش والولاء للقيادة الهاشمية.
« نزلن على البستان يا عنيّد يا يابا
يمه  و حلن شعرهن يا عنيد يا يابا
كل البنات نجوم يا عنيد يا يابا والله وهيَ قمرهن ..
عيني ومي عيني .. يا عنيّد يا يابا
تسوى هلي و كل القرابة .. يا عنيّد يا يابا
وتلك الأغنية كان قد غناها عبده موسى بالاشتراك مع المطربة غادة محمود.

الإذاعة والمسلسلات والأفلام
عمل عبده موسى موظفاً في الإذاعة الأردنية منذ العام 1959 وحتى وفاته 1977، لكنه كان قد اشترك في برنامج إذاعي اسمه (مضافة أبو محمود) وذلك لمدة خمس سنوات تقريباً بشكل يومي.
وذلك في بدايات ستينات القرن الماضي، حيث كان يغني ويعزف على الربابة في آخركل حلقة يومية، حيث يسمعه الملايين في الأردن وفلسطين وسوريا والدول العربية الأخرى.
وذلك غير الأغاني الطويلة التي كانت تبثها الإذاعة في أوقات أخرى لعبده موسى.
واشترك كذلك في التمثيل والغناء في فيلم أردني قديم من إخراج جلال طعمة مع الفنان محمود أبوغريب وكان اسم الفيلم (غريب من الجزائر) وذلك في بداية الستينات من القرن الماضي عندما كانت الجزائر على أبواب الاستقلال من المستعمر الفرنسي.
أما في التلفزيون فقد اشترك مع دريد لحام في مسلسله الشهير (صح النوم) حيث غنى على ربابته أغنية (يا عنيد يا يابا) ثم غناها دريد لحام بأسلوبه وبإذن خاص من عبده موسى. واشتهرت هذه الأغنية بشكل كبير في الوطن العربي.. وممن أعاد غناءها كذلك كل من هيام يونس وغادة محمود، وسهام الصفدي، وسميرة توفيق وعمر العبداللات وديانا كرزون وفرق موسيقية أخرى.. حتى أن فرقة أمريكية غنت له أغنية أخرى وهي سافر يا حبيبي وارجع لا تطول بالله الغيبة.

جمعية عبده موسى لإحياء التراث
واستكمالاً للقائنا مع السيد حسين عبده موسى الكاتب والإعلامي في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني والذي ألّف كتاباً ضخماً أخذ منه مدة ثلاث سنوات في البحث والإعداد والجهد الكبير، عن مسيرة والده الفنان الأردني الشهير عبده موسى، فقد حاورناه حول عدة مواضيع حيث كانت إجاباته الحارة بما يلي:
لقد كانت أغنية يا عنيد يا يابا في مطلع الستينات من أشهر الأغاني الأردنية على الإطلاق وقد ألفها وصفي التل أشهر رئيس وزراء أردني سابق. وكان عبده موسى يؤلف الأغاني استلهاماً مما سمعه من أغاني الريف والبادية أثناء تجواله في ربوع الوطن أيام الشباب، فقد كان يبدل ويحسن في الكلمات، حيث غنى أغانيه من القلب للشعب الأردني، والشعب كذلك عشقه وأحبه وأحب أغانيه الجميلة، ومعظم أغانيه لحنها هو بنفسه على آلة الربابة.
ومن شدة حبه لوطنه الأردن فقد قاوم كل الإغراءات بالعيش في دول أخرى!! ففي ذات زمن قديم، عرض عليه أحد الأمراء في إحدى الدول الخليجية أن ينتقل للعيش هناك مع أسرته وتأمين مسكن وراتب جيد مع مبلغ هائل من النقود!!. فرد بأدب قائلاً: أنا زي السمك إن طلع من الماء أي وطنه الأردن سوف يموت!! وكان وقتها موظفاً في الإذاعة الأردنية وراتبه الشهري (17) ديناراً فقط!!.
لذلك ولكل هذا ولحبه العميق لوطنه الاردن وشعبه ولإبداعه الفني المشهود له .. ألا يستحق عبده موسى التكريم؟! بدعم المتحف المنوي إقامته من قبل جمعية عبده موسى للتراث الأردني الأصيل؟! والفكرة أننا نحن أبناؤه وأحفاده سوف نقوم بعمل متحف في منزله القديم في عمان نجمع فيه كل تراثه الغنائي ورباباته وأثوابه ومتعلقاته الشخصية الأخرى، وسنعمل على إقامة ورشة صغيرة في هذا المتحف لصنع آلات الرباب الصغيرة.والكبيرة كتذكار للزوار لهذا المتحف والجمعية عندما يقام!!.
 لكن الأمر يحتاج إلى دعم حكومي من وزارة الثقافة مثلا أو أو من اية جهة اردنية تحب تاريخ وتراث الوطن. فالبلد الذي تكثر فيه متاحفه الفنية والثقافية سوف يفتخر أمام زواره من العرب والأجانب لهذا الوجه الحضاري والذاكرة التاريخية لهذا الوطن المعطاء الذي لا ينسى فنه وتراثه وأبناءه المخلصين.

مهرجان تراثي في تموز
هذا وقد أشار حسين عبده موسى أن من باكورة إنتاج جمعية عبده موسى لإحياء التراث والتي تأسست في العام 2013 سوف يقام مهرجان تراثي أردني في شهر تموز (7) من هذا العام والذي سيتم فيه كذلك تكريم الرواد الأوائل من الفنانين والإعلاميين الأردنيين الذين خدموا وقدموا الكثير من الإبداع والرقي لتراث الفن الأردني.
«وجدلي يا أم الجدايل جدلي
وامرحي واتهني وخلي الجد لي
والله يا حلو مهما جد لي
بتظل المحبوب وما عنك غِنى».
وهذه الأغنية الشهيرة كذلك لعبده موسى هي من تأليف الشاعر الحداثي المعروف عبدالرحيم عمر، وكان قد غناها عبده موسى مع المطربة الشهيرة هيام يونس ومن ألحان الموسيقار جميل العاص.